/0/29723/coverbig.jpg)
الفصل 2 No.2
ضرب هواء الرياض الليلي البارد وجه نورة بمجرد خروجها من البوابة الحديدية الضخمة لفيلا آل راشد. كان الهواء جافاً، لكنه لم يبرد الحرارة التي كانت تسري في عروقها. لم تتجه إلى أي مكان آخر. ركبت سيارتها، وأدارت المحرك، وانطلقت مباشرة نحو المستشفى الخاص الذي تمكث فيه ياسمين.
كانت تعلم جيداً كيف يفكر سلطان. سيرسل المحامي بالأوراق إلى هناك، ليحاول إهانتها للمرة الأخيرة أمام الجناح الذي ترقد فيه "حبيبته المريضة".
في منطقة الانتظار المخصصة لكبار الشخصيات في المستشفى، كان محامي عائلة آل راشد يجلس ببدلته الرسمية، يمسك بحقيبته الجلدية. بمجرد أن رأى نورة، وقف وقدم لها الأوراق والقلم بعملية بحتة، دون أن ينطق بكلمة.
لم تكلف نورة نفسها عناء قراءة الشروط. كانت تعرف أن سلطان سيجردها من كل شيء يخص العائلة، وهذا بالضبط ما تريده. قلبت الصفحات حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
بيد ثابتة لا ترتجف، وقعت اسمها. كانت خطوط توقيعها حادة، قوية، ومختلفة تماماً عن الصورة النمطية للمرأة الضعيفة التي كانوا يرونها فيها.
دفعت الملف نحو المحامي، وقالت بصوت خالٍ من أي مشاعر: "أخبر سلطان، أنني أتمنى له وللآنسة ياسمين، حياة مليئة بما يستحقانه."
استدارت لتغادر. مع كل خطوة ابتعدت فيها عن المحامي، شعرت وكأن صخرة ضخمة انزاحت عن صدرها. سخرت من نفسها في سرها. العالم السفلي بأكمله يرتجف عند ذكر اسم الطبيب الأسطوري "الحكيم"، الذي يقال إنه يعيد الموتى للحياة، بينما "الحكيم" بشخصها، كادت تختنق حتى الموت في زواج فاشل ومثير للشفقة.
عندما وصلت إلى منعطف الممر المؤدي إلى المصاعد، اعترض طريقها جسد ضخم.
كان تركي آل راشد، الشقيق الأصغر لسلطان. كان يرتدي ثوباً غير مرتب، وعيناه تلمعان بسخرية خبيثة.
"أوه، من لدينا هنا؟" قال تركي بصوت عالٍ ومستفز، يمط الكلمات باستهزاء. "أليست هذه زوجة أخي المطرودة؟ ماذا تفعلين هنا؟ هل جئتِ تتسولين العودة بعد أن رماكِ سلطان؟"
توقفت خطوات الممرضات وبعض الزوار في الممر. التفتت الوجوه نحوهم بفضول.
لم ترمش نورة. حاولت تجاوزه بصمت، لكن تركي تحرك ليغلق طريقها مجدداً، ومد يده بخشونة محاولاً الإمساك بذراعها.
"لا تلمسني." قالت نورة، وانخفضت درجة حرارة صوتها حتى كادت تجمد الهواء المحيط بهما.
تراجع تركي للحظة أمام النظرة القاتلة في عينيها، لكن غروره دفعه للغضب. "هل تظنين أنك ما زلتِ سيدة آل راشد؟ أنا ألمسك كما يحلو لي، أيتها الـ......"
اندفعت يده نحو كتفها بقوة.
في كسر من الثانية، مالت نورة بجسدها بزاوية شبه مستحيلة، متفادية قبضته تماماً. وبحركة بدت للناظرين وكأنها مجرد لمسة عابرة، وضعت يدها على ساعده الممتد، وضغطت على نقطة محددة، ثم لوت ذراعه بحركة خاطفة ودقيقة.
"كراااك!"
دوى صوت طقطقة عظمية خفيفة، تبعه صراخ ألم حاد مزق هدوء الممر.
فقد تركي توازنه تماماً، وترنح ليصطدم بقوة بالجدار الرخامي. تدلت ذراعه اليمنى بزاوية غير طبيعية. لقد خُلِع كتفه بالكامل.
كانت الحركة سريعة جداً، لدرجة أن أحداً ممن راقبوا المشهد لم يستوعب كيف انتهى تركي متألماً على الجدار، بينما نورة تقف مكانها، تعدل طرف عباءتها وكأنها تنفض غباراً غير مرئي.
لم تنظر إليه حتى. رفعت رأسها، وأكملت طريقها نحو المصعد بخطوات هادئة ومتزنة.
كان تركي يتصبب عرقاً، يلهث من شدة الألم، يحاول شتمها لكن الكلمات غصت في حلقه من هول الصدمة.
في تلك اللحظة، انفتحت أبواب مصعد كبار الشخصيات الخاص في نهاية الممر.
كان هناك رجل يجلس على كرسي متحرك أسود متطور، وخلفه يقف مساعده. كان الرجل يرتدي ثوباً ناصع البياض وشماغاً مرتباً بعناية فائقة. ملامح وجهه كانت حادة، وعيناه العميقتان بلون القهوة الداكنة كانتا تتابعان المشهد الذي انتهى للتو.
إنه خالد آل فهيد، أحد أقوى رجال الأعمال في الرياض.
استقرت نظرات خالد على ظهر نورة وهي تبتعد. ضاقت عيناه بتركيز شديد. تلك الحركة...... لم تكن مجرد دفاع عن النفس. كانت تقنية قتالية متقدمة، نُفذت باحترافية مرعبة لا تليق بامرأة عادية.
انحنى مساعده يوسف، وهمس بصوت خافت: "سيدي، هذه نورة المهنا. الزوجة السابقة لسلطان آل راشد. سمعت أن طلاقهما تم الليلة."
"هذه هي نورة المهنا؟" كان صوت خالد عميقاً، يحمل بحة خفيفة. "المرأة التي تتحدث مجالس الرياض عن مدى ضعفها وسلبيتها؟"
نظر يوسف إلى تركي الذي كان الممرضون يركضون نحوه لمساعدته، وقال بتعجب: "يبدو أن مجالس الرياض لا تعرف شيئاً يا سيدي."
تابع خالد بعينيه نورة حتى اختفت داخل المصعد الآخر. نقر بأطراف أصابعه على مسند كرسيه المتحرك بحركة إيقاعية هادئة.
"اجمع لي كل شيء عنها يا يوسف." أمر خالد بنبرة هادئة لكنها لا تقبل النقاش. "كل شيء، منذ ولادتها وحتى هذه اللحظة."
"أمرك سيدي."
داخل سيارتها، أسندت نورة رأسها إلى عجلة القيادة لثوانٍ، وأطلقت زفيراً طويلاً. أخرجت هاتفها واتصلت برقم مألوف.
جاءها صوت نسائي حيوي من الطرف الآخر. "نورة! أخبريني، هل انتهى الكابوس؟"
"أنا حرة يا رزان." قالت نورة، وابتسامة صغيرة، حقيقية لأول مرة منذ سنوات، ارتسمت على شفتيها.
أدارت المحرك، واندمجت سيارتها في شوارع الرياض المضاءة. في مرآة السيارة، كانت مستشفى ياسمين، وعائلة آل راشد، تبتعد وتصغر حتى تلاشت تماماً في الظلام.
قائمة الفصول
المجموع: 268 فصلاً
/0/35601/coverbig.jpg)
/0/31999/coverbig.jpg)
/0/34531/coverbig.jpg)
/0/30314/coverbig.jpg)
/0/35602/coverbig.jpg)
/0/32615/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)