تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

استغرقت الرحلة في سيارة الأجرة عشرين دقيقة من الصمت القاتل. صوت إغلاق باب سيارة الأجرة خلفها تردد في صمت الليل، تاركاً ليلى وحدها أمام البوابة الضخمة لفيلا آل راشد. استغرقت بضع دقائق لتصل إلى الباب الرئيسي، كل خطوة كانت تمزق جرح ساقها من جديد.

دفعت الباب الخشبي الثقيل. كان الداخل مظلماً وبارداً. هواء الفيلا الفاخرة، الذي كان يوماً ما يمثل حلماً، أصبح الآن يلفها كالكفن.

تحسست طريقها على الحائط حتى وجدت مفتاح الإضاءة. ضغطت عليه، فانفجر ضوء الثريا الكريستالية العملاقة، وكشف عن بهو فخم، لكنه خالٍ من أي أثر للحياة. كان كل شيء في مكانه، مرتباً بشكل مثالي، وصامتاً صمتاً يصم الآذان.

سقطت على أقرب أريكة، وشعرت بالإرهاق يغمرها. نظرت إلى الأسفل، فرأت بقعة من الدم بدأت تتسرب من خلال الشاش لتلطخ عباءتها السوداء.

سحبت ساقها المصابة إلى الأريكة، وذهبت تبحث بعينيها عن صندوق الإسعافات الأولية الذي تعرف مكانه جيداً. وجدته، ثم عادت إلى مكانها. فتحت الصندوق بأصابع مرتعشة، وأخرجت قطعة من القطن وزجاجة مطهر.

عضت على شفتها السفلى بقوة وهي تضغط بالقطن المبلل بالكحول على حواف الجرح. لسعها الألم الحاد، لكنها لم تصدر صوتاً واحداً. حبات العرق الباردة التي تشكلت على جبينها كانت الشاهد الوحيد على معاناتها.

في تلك اللحظة، اهتز هاتفها الاحتياطي على الأريكة بجانبها.

ظهر اسم "عبدالله - مساعد سلطان" على الشاشة.

ترددت للحظة، ثم ضغطت على زر الرد.

"سيدتي ليلى؟" جاء صوت عبدالله جافاً ومقتضباً. "السيد سلطان يسأل ما إذا كنتِ قد وصلتِ إلى المنزل بأمان."

لم يكن في صوته أي أثر للقلق. كان مجرد سؤال روتيني، يؤديه كموظف.

"نعم، وصلت،" أجابت ليلى بصوت بارد ومسطح.

صمت عبدالله للحظة، بدا متفاجئاً من هدوئها غير المعتاد. ربما كان يتوقع بكاءً أو عتاباً.

وقبل أن يتمكن من الرد، اخترق صوت أنثوي رقيق ومألوف خلفية المكالمة. صوت نور.

"سلطان، حبيبي... أشعر بدوار مرة أخرى. قلبي يؤلمني."

ثم جاء صوته هو، صوت سلطان، منخفضاً وحنوناً، يهمس بكلمات لم تسمعها موجهة إليها قط. "اهدئي يا نور، أنا هنا بجانبك. كل شيء سيكون على ما يرام."

كل كلمة كانت صفعة على وجهها.

أحكمت ليلى قبضتها على الهاتف، حتى ابيضت مفاصل أصابعها. آخر بصيص من الأمل، آخر ذرة من الوهم، ماتت في تلك اللحظة.

تذكرت كيف تخلت عن شغفها بكتابة السيناريو، كيف وضعت أحلامها في صندوق مغلق، فقط لتكون الزوجة المثالية التي ظنت أنه يريدها. كم تبدو الآن غبية ومثيرة للشفقة.

رفعت نظرها إلى الصورة الكبيرة المعلقة على الحائط المقابل. صورة زفافهما. ابتسامتهما المصطنعة، التي التقطت فقط لإرضاء كبار العائلة. سخرية مريرة ارتسمت على شفتيها.

"عبدالله،" قالت بصوت بارد كالثلج، قاطعة همسات الحنان في الطرف الآخر من الخط. "أبلغ سيدك أنني أريد الطلاق."

"ماذا؟ سيدتي ليلى، هذا ليس وقتاً للمزاح أو..." بدأ عبدالله بنبرة متعالية، معتاداً على تهدئتها عندما كانت "تثير المشاكل" في الماضي.

لكن ليلى لم تعد تلك المرأة. "أنا لا أمزح. وأنا لم أعد تلك الدمية التي تحركونها كما تشاؤون في عائلة آل راشد. انتهى الأمر."

بدا أن سلطان قد شعر بشيء غريب، فقد سمعت صوته الغاضب في الخلفية وهو يأخذ الهاتف. "ليلى! ما هذا الجنون الذي تتفوهين به الآن؟"

صوته المألوف، القاسي والخالي من أي عاطفة، جعل معدتها تتقلب.

لم تجادله. لم تصرخ. ببساطة، قالت بهدوء قاتل: "أوراق الطلاق ستكون على مكتبك صباح الغد."

"هل تعتقدين أن هذه الألاعيب ستنطلي علي؟" بدأ يصرخ، لكنها لم تسمع البقية.

أنهت المكالمة، ثم حظرت رقمه.

فتحت الرسالة التي وصلتها من هالة. كانت نسخة إلكترونية من اتفاقية الطلاق. قرأتها بسرعة، وعيناها تتجاوزان التفاصيل المعقدة لتصلا إلى قسم تقسيم الممتلكات.

لم تتردد. اختارت التنازل عن كل شيء. لم تكن تريد منه شيئاً سوى حريتها.

وقعت إلكترونياً، وأعادت إرسال المستند إلى هالة.

شعرت بخفة مفاجئة.

وقفت، وسحبت ساقها المصابة خلفها، وصعدت الدرج إلى الطابق العلوي. اتجهت مباشرة إلى غرفة الملابس الفاخرة. تجاهلت صفوف المجوهرات البراقة التي اشتراها لها سلطان على مر السنين، والتي لم ترتدِ معظمها أبداً.

فتحت حقيبة سفر قديمة، وبدأت تضع فيها ملابسها التي كانت تملكها قبل الزواج. بضع عباءات بسيطة، وبعض الملابس العادية.

أغلقت سحاب الحقيبة. الصوت الحاد للسحاب كسر الصمت المطبق في الغرفة.

نظرت إلى انعكاسها في المرآة الكبيرة. وجه شاحب، عينان متعبتان، لكنهما تلمعان بتصميم حاد. رفعت ذقنها عالياً.

مسحت غبار الدخان عن وجنتها. ليلى الضعيفة ماتت في ذلك الحريق.

سحبت حقيبتها وخرجت من الغرفة. صوت عجلات الحقيبة وهي تتدحرج على السجادة الفاخرة كان الصوت الوحيد الذي يرافقها.

"درجة الحرارة الخارجية تنخفض،" أعلن صوت نظام المنزل الذكي.

لم تستمع. واصلت طريقها نحو الباب.

عند المدخل، توقفت. خلعت مفتاح الفيلا الرئيسي من سلسلة مفاتيحها، وألقته في الوعاء الفضي على الطاولة.

رنين المعدن على المعدن كان حاداً ونهائياً.

إعلان نهاية هذا الزواج.

هل تريد متابعة القراءة؟

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 230 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 No.1
  2. الفصل 2الفصل 2 No.2
  3. الفصل 3الفصل 3 No.3

إصدارات جديدة