/0/35233/coverbig.jpg)
الفصل 2 حفل الزفاف
بعد بضعة أيّام، حضرت جانيت إلى كنيسة متواضعة في أطراف المدينة، مرتدية ثوبًا أبيض بسيطًا.
ستعقد عرسها في هذا اليوم.
وكانت ستتزوج رجلًا لم تره قط من قبل.
لم تُضَيّع وقتها في استئجار فستان زفاف لأنها لم ترد أن تدفع ثمنه. فقد كان يتعيّن على جانيت سداد التكاليف الطبيّة لعملية هانا الجراحيّة.
اشترت باقةً من زهور "أنفاس الطفل" البيضاء من متجر الزهور، وطلبت من البائع إضافة شريط حريري أبيض لتضفير شعرها. بدت جانيت طاهرة المظهر، عفيفة القسمات.
أزفّ وقت الزفاف، غير أنّ العريس لم يحضر بعد. وكان المكان يكاد يخلو من الحضور؛ فما حضر سوى نفر قليل من المدعوّين.
"لا تقلقي. لعله احتُجز في زحام الطريق. لِنُمْهِلْه قليلًا" قال بيرني مسكنًا خاطر جانيت.
اضطرب نَفَسُ جانيت وتقلقلت أنفاسها.
كانت قد سمعت بعض الأنباء عن الرجل الذي سيصبح زوجًا لها. كان اسمه إيثان ليستر. لم يكن للرجل عمل مستقر، بل كان متبطلاً يقضي وقته في مصاحبة رفاق السوء في الشوارع.
جعلتها فكرة الارتباط برجل مثله تشعر بالغثيان والقلق، لكنها لم تملك خيارًا آخر.
"لِمَ لم يَصِل العريس وذووه حتى الآن؟" تمتمت فيونا عابسة وهي تتأمل القلّة الحاضرة في الكنيسة. كانت فيونا تعبس وتنظر إلى العدد الضئيل من الحضور في الكنيسة. كانت ترتدي ثوبًا أرجوانيًا ناعمًا بالغ الروعة. وزادها ما وضعته من زينة لطيفة تألقًا، حتى غدت آية في الجمال والأسر.
بدا كما لو أنّ عائلة ليستر لا تُولي لهذا الزواج قدرًا من الاهتمام. إلّا أنّ جانيت لم تُبدِ ضيقًا ولا قلقًا. فلم يشغل بالها سوى نفقات علاج هانا الطبّيّة.
مالت جانيت نحو فيونا وهمست: "هل ستعطيني المال فور انتهاء حفل الزفاف؟"
كانت قد قطعت على نفسها عهدًا أن تزوّج مقابل المال لتُنقذ حياة هانا.
"نحن مثل أهلك. لِمَ الإلحاح في الحديث عن المال دائمًا؟ لا تقلقي. سأفي لك بما وعدتُك من مال. فلا تعودي إلى السؤال عنه. على الرغم من محاولتها التلطّف في نبرتها، إلّا أنّ نفاد صبرها بدا جليًا في صوتها.
وفي تلك الأثناء قدمت جوسلين كذلك.
دخلت الكنيسة متباهية بزيّ صارخ وحُلِيّ فاخرة، مستندة إلى ذراع صديقها.
وتبخترت صوب بيرني وفيونا وهي تحمل ابتسامة متعالية على شفتيها. لقد سرقت صديق جانيت الثري، تاركة إياها لتتزوج الابن غير الشرعي عديم القيمة من عائلة ليستر.
تقطّبت حاجبا ستيف حين وقعت عيناه على جانيت بثوب عرسها. وثقل شعور مرير بالذنب في صدره.
وكان يدرك أنّ الذنب ذنبه كلّه. لحظة عابرة من الهوى أطاحت بعلاقته بمن أحبّها حقًا. ها هي جانيت على وشك أن تُزفّ إلى رجل آخر.
لم يكن ينوي شهود هذا اليوم أصلًا. إذ جرّته جوسلين جرًا إلى الكنيسة رغمًا عنه. غير أنّه لم يستطع الامتناع عن الحضور بعدما علم بأنّ جوسلين تحمل في بطنها طفلًا له.
ومنذ أن وطئت قدماه الكنيسة، ظلّت عيناه معلّقتين بجانيت لا تفارقها. ولم تطق جوسلين رؤيته يحدّق في تلك التي تحمل لها الضغينة.
لم يتبدّل شيء رغم تعاقب السنين. لطالما امتلكت جانيت القدرة على أسر القلوب بسحرها الأخّاذ. فقد كان أنظار الناس تتجه دومًا نحوها، لا نحو جوسلين.
فاستيقظت الغيرة في نفسها قبيحةً متوحّشة. واستشاطت جوسلين غضبًا وشرعت تصرخ في وجه ستيف غير مبالية بالمقام. "صدقني أو لا تصدق، سأجعل عينيك لا تبصران النور. ما الذي يميّز تلك الحقيرة؟ ولماذا تحدّق بها على هذا النحو؟"
ثم التفتت تسخر بازدراء. "ولِمَ لم يحضر العريس بعد؟ إنه متأخر عن عرسه نفسه. عجبًا لرجلٍ يتوانى عن يومه الكبير. كيف يعوَّل على رجل كهذا؟ وحتى أسرته لم تُعنِ بالحضور. ويبدو أنّهم لا يأبهون لذاك الابن غير الشرعي."
كانت جوسلين في بيتها مدلّلة كالأميرات. فلا أحد هناك كان ليحاسبها على فظاظتها أو تطاولها. غير أنّهم الآن في محفل عام، وهي أخت العروس. فغدا تكبرها ووقاحتها حديث الحضور يتناقلونه همسًا ولمزًا.
رفعت جانيت طرف ثوبها في رفق وتقدّمت بخطى ثابتة. طالما صبرت جانيت على جوسلين رغم كبريائها وقسوتها عبر السنين. غير أنّها لم تعد قادرة على احتمال سفاهتها بعد الآن. "جوسلين، لا تصفي أحدًا بأنّه ابن حرام! أنت الآن في بيتٍ الله. تحفّظي في ألفاظك! أما لديك حدٌّ أدنى من الأدب؟"
فوجئت جوسلين وارتبكت. لم تألف هذا الوجه من جانيت قط، فهي التي عُرفت بالحِلم وطول البال.
وما إن دوّى صوتها حتى خيّم السكون على أرجاء الكنيسة. وفي تلك اللحظة، انفرج باب الكنيسة صارًّا بثقله.
دخل الي المكان رجل طويل القامة. كأن شعاع الشمس الباهر قد خطّ ملامح قامته الرشيقة.
وحين أُغلِق الباب من ورائه، رفع بصره متأمّلًا. جالت عيناه العميقتان بين الحضور، وطبق شفتيه بشدة. أغلق زر سترته وسوّى معطفه، وكأنه أتى إلى هنا في عجلة من أمره.
وصبّ ضوء الشمس على وجهه الوسيم نورًا لطيفًا يزيده بهاء. بدا كأنّ الرب استوفى جمال خلقته واعتنى بصنعه عنايةً تامّة. جذبت هيئته أنظار جميع الحاضرين، وكأنه أسحر كل من في الكنيسة.
قائمة الفصول
المجموع: 297 فصلاً
/0/28943/coverbig.jpg)
/0/36066/coverbig.jpg)
/0/29732/coverbig.jpg)
/0/36067/coverbig.jpg)
/0/35603/coverbig.jpg)
/0/35601/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)