تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 2 No.2

انغلقت بوابة القصر الفولاذية بصوت مدوٍ خلف السيارة، لكن أصداء المواجهة في صالون عائلة أندروز كانت لا تزال تغلي كمرجل. "هذا... هذا تزوير رقمي!" صرخت سينثيا وهي تقف فجأة، محاولة التقاط أنفاسها المتقطعة، والتفتت نحو مارتن الذي كان يحدق في الفراغ ووجنتاه ترتعدان. "أنت تعرف هذه البرامج الحديثة يا مارتن! تلك الفتاة ماكرة، أرادت تشويه سمعة ابنتنا قبل خروجها!" أما جولديا، فكانت قد دفنت وجهها بين ركبتيها، تبكي هذه المرة بدموع حقيقية ملؤها الخوف من فقدان مكانتها: "أبي... أقسم لك أنني تعثرت حقاً... ربما الصورة غير واضحة... لا تصدقها وتتركني!" نظر مارتن إلى الشيك المتروك على الطاولة، وإلى الفراغ الذي خلفته تشيلسي. كان صمتها وقوتها في فضحهم بتلك البساطة قد غرس شكاً عميقاً في نفسه، لكن كبرياءه منعه من التراجع: "انتهى الأمر. خرجت وانتهينا منها. لا أريد سماع اسمها في هذا البيت مجدداً." في تلك الأثناء، كانت سيارة الأجرة تنهب الطريق الإسفلتي الطويل، قاطعة المسافة بين صخب الرياض وعمرانها الشاهق، نحو الشرق، حيث تمتد واحة الأحساء بنخيلها الباسق وبيوتها الطينية القديمة التي تحكي زمناً آخر. كانت تشيلسي تسند رأسها إلى زجاج النافذة، تراقب تدرج الرمال الذهبية تحت شمس العصر المائلة للمغيب. لم تذرف دمعة واحدة. كان قلبها ينبض بوتيرة هادئة، يملؤه إحساس غريب بالتحرر. لم تعد مدينة لأحد باسم، ولا بمكانة، ولا بلقمة طعام ممزوجة بالمنّة. الورقة المهترئة التي استقرت في يدها كانت تحمل اسمين: يوسف المصري، وفاطمة المصري. توقفت السيارة أخيراً في أزقة قرية هادئة تحيط بها مزارع النخيل. كان الهواء هنا معبقاً برائحة الطين الرطب وسعف النخل. مشت تشيلسي بحقيبتها المتواضعة على الأرض الترابية حتى وقفت أمام باب خشبي قديم يعلوه طلاء أخضر باهت. طرقت الباب ثلاث طرقات متزنة. فُتح الباب بصرير خفيف، لتظهر امرأة في أواخر الخمسينيات، ترتدي ثوباً متواضعاً وشيلة سوداء تلف رأسها بعفوية. نظرت المرأة إلى تشيلسي، ثم تسمرت عيناها على ملامحها، وارتجفت شفتاها: "من... من أنتِ يا ابنتي؟" "أنا تشيلسي." أجابت بصوت نقي، "ابنة عائلة أندروز... سابقاً. جئت أبحث عن الحقيقة." شحب وجه فاطمة، وتراجعت خطوة للوراء وهي تضع يدها على صدرها: "يوسف! يا يوسف، تعال بسرعة!" خرج رجل مسن، خشن اليدين، يرتدي ثوباً بسيطاً، وما إن وقع بصره على تشيلسي حتى تبادل مع زوجته نظرة رعب ممزوج بالحزن. أدخلاها بسرعة إلى فناء البيت الطيني الصغير وأغلقا الباب بإحكام. "يا بنيتي..." بدأ يوسف بصوت متهدج وهو يجلس على حافة بساط مفروش، "نحن كنا ننتظر هذا اليوم منذ زمن، لكنك تبحثين في المكان الخطأ. نحن لسنا والديكِ الحقيقيين." توقفت أنفاس تشيلسي للحظة، وشعرت ببرودة تسري في عنقها: "ماذا تعني؟" تنهدت فاطمة ومسحت طرف عينها: "قبل اثنين وعشرين عاماً، في مستشفى الولادة بالرياض، توفيت طفلتنا الرضيعة بعد ساعات من ولادتها. كنا فقراء وعاجزين. في تلك الليلة وقعت فوضى عارمة بسبب حريق في جناح الحضانة، وأحد الموظفين أعطانا طفلة أخرى بالخطأ... ثم جاء رجال يرتدون ملابس فاخرة ومعهم أوراق رسمية، أخذوا تلك الطفلة وسلمونا لكِ أنتِ، وقالوا إن عائلة ثرية هي من ستتكفل بالأمر. لم نكن نفهم شيئاً، وظننا أنك ابنة عائلة أندروز، لكنهم سرعان ما أبعدوكِ عنا ونقلوكِ إليهم." قام يوسف وتوجه نحو صندوق خشبي عتيق، أخرج منه ظرفاً قديماً اصفرت أطرافه، وسلمه لتشيلسي بأصابع مرتعشة: "هذه الورقة بقيت معنا. كانت معلقة في سوار معصمكِ الصغير عند ولادتكِ، وخبأتها فاطمة خوفاً من المشاكل." فتحت تشيلسي الظرف بحذر. كانت شهادة ميلاد رسمية قديمة، كُتب فيها اسم المولودة بخط يدوي واضح: تشيلسي مدينا. "مدينا؟" همست تشيلسي، وارتعش جفنها. "نعم يا ابنتي،" قال يوسف بحسرة، "أنتِ لستِ من أندروز، ولستِ منا. أنتِ تنتمين لتلك العائلة، لكننا لم نجرؤ يوماً على الاقتراب من أبوابهم... إنهم أناس لا نصل إليهم." وقبل أن تستوعب تشيلسي هول الاسم، شق سكون القرية فجأة صوت هدير محركات جبارة. اهتزت نوافذ البيت الصغير، وتناهت إلى مسامعهم أصوات إطارات تفرمل بقوة فوق الحصى في الساحة المقابلة للدار. أزاحت فاطمة طرف الستارة برعب: "يا إلهي... سيارات سوداء ضخمة... حراس كثر يحيطون بالمكان!" وقفت تشيلسي، وتوجهت بخطى ثابتة نحو الباب الخشبي وفتحته. في الخارج، كانت تصطف خمس سيارات مرسيدس من طراز (G-Class) مصفحة، نزل منها رجال يرتدون بزات رسمية داكنة ونظارات سوداء، وانتشروا بصرامة عسكرية ليؤمنوا الممر. ثم فُتح باب السيارة الوسطى. هبط منها رجل في العقد الخامس من عمره، ذو هيبة طاغية، يرتدي ثوباً أبيض ناصعاً وغترة منسدلة بإتقان، وتشع من عينيه نظرة حادة تختزل سلطة ونفوذاً لا حدود لهما. سار وسط الحراسة بخطوات واثقة، لكن عينيه كانتا مثبتتين على تشيلسي الواقفة عند عتبة الباب. توقف الرجل على بعد خطوتين منها، وتلاشت صرامته فجأة لتحل محلها رجفة واضحة في نبرة صوته وعينين اغرورقتا بدموع محبوسة، وهو يتأمل تقاسيم وجهها: "هاتان العينان... نسخة من عيني والدتكِ."

هل تريد متابعة القراءة؟

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 200 فصل

  1. الفصل 1الفصل 1 No.1
  2. الفصل 2الفصل 2 No.2
  3. الفصل 3الفصل 3 No.3

إصدارات جديدة