/0/30316/coverbig.jpg)
الفصل 3 No.3
ساد الصمت باحة المنزل الترابية، حتى بدا صوت حفيف سعف النخيل في المزارع المجاورة وكأنه الهمس الوحيد في المكان. تراجعت تشيلسي نصف خطوة إلى الوراء، مستجمعة هدوءها الداخلي، رغم دقات قلبها التي تسارعت في صدرها كقرع الطبول. "من أنت يا سيدي؟" سألت بنبرة مستقيمة خالية من الضعف، وهي تشد قبضتها على حقيبتها القديمة. لم يبتسم الرجل، بل بدت ملامحه وكأنها تنبض بألم تراكم على مدى عقدين. رفع يده بحركة خفيفة، فتراجع الحراس خطوتين إلى الخلف في انضباط مطلق، ثم قال بصوت عميق يحمل نبرة الاعتياد على إصدار الأوامر، لكنه الآن متهدج بعاطفة جارفة: "أنا آرثر مدينا. وأنتِ... تشيلسي مدينا. ابنتي التي انشطر فؤادي لفراقها قبل اثنين وعشرين عاماً." من خلف الباب الموارب، شهقت فاطمة بصوت مسموع، بينما سقطت عصا يوسف على الأرض. عائلة مدينا في الرياض ليست مجرد أثرياء؛ إنهم أصحاب كبرى الشركات القابضة في المملكة، ونفوذهم المالي يتصدر صفحات الاقتصاد في كل مجلس. أخرج مساعد شخصي كان يقف خلف آرثر ملفاً جلدياً فاخراً وقدمه للرجل الذي فتحه بيده المرتجفة ومدّه لتشيلسي. "أعلم أن الأمر يبدو كضرب من الخيال،" قال آرثر وهو ينظر في عينيها برجاء نادر لا يظهر عادة في اجتماعاته المليارية: "هذا تقرير فحص الحمض النووي (DNA). منذ أن اكتشفنا قبل أشهر وجود تضارب في السجلات الطبية القديمة بعد فحص دم دوري للأسرة، قلبت المملكة رأساً على عقب بحثاً عنكِ. عثرت على سجلات المستشفى، ثم وصلت إلى يوسف وفاطمة وعلمت منهما قبل أيام أن عائلة أندروز أخذتكِ وغيّرت بياناتكِ بالكامل." نظرت تشيلسي إلى الأوراق الرسمية. كانت نسبة التطابق الجيني 99.99٪. الأختام الرسمية وتواقيع أطباء كبار لا تدع مجالاً لذرة شك. شعرت بحرارة تسري في حلقها؛ تلك الإهانات التي تجرعتها في قصر أندروز، وتلك النظرات الدونية، لم تكن سوى كذبة دفع ثمنها شبابها. التفت آرثر نحو يوسف وفاطمة اللذين وقفا يرتعدان خجلاً وخوفاً، وتغيرت نبرته لتصبح وقورة وممتنة: "أنتما حافظتما على أثرها وأعطيتماها الحقيقة اليوم. عائلة مدينا لا تنسى جميلاً أبداً." أشار آرثر للمساعد، فتقدم الأخير وسلم يوسف مظروفاً بنكياً مغلقاً: "هذا شيك مصرفي يضمن لكما ولعائلتكما حياة كريمة، ومنزل في الرياض سيسجل باسمكما مع وظيفة مريحة لابنك. هذا ليس ثمناً، بل عرفان بصدقكما." سقطت دموع العجوزين لهفة وشكراً، بينما ظلت تشيلسي تراقب المشهد بذهن حاضر. هذا الرجل، والدها الحقيقي، يدير أقدار الناس بحركة واحدة من يده. التفت آرثر إليها مجدداً، ومد يده المفتوحة نحوها بتردد وخوف من الرفض: "تشيلسي... والدتكِ تنتظركِ في الرياض. إنها تكاد تفقد عقلها من فرط الشوق. هل تعودين معي إلى بيتكِ الحقيقي؟" نظرت تشيلسي إلى يده الممدودة، ثم رفعت عينيها لتلتقي بعينيه المليئتين بالحب والندم الصادق. تنفست بعمق وقالت: "أريد رؤية أمي." أشرقت ملامح آرثر بفرحة عارمة لم يستطع كتمانها، والتفت بنفسه ليفتح لها باب سيارة المرسيدس المصفحة. ركبت تشيلسي المقعد الجلدي الفاخر، وانطلق الموكب الهادر يبتلع الطريق السريع عائداً إلى الرياض، مخلفاً وراءه سحابة من الغبار وحياة كاملة من الظلم والاضطهاد. طوال الطريق، حاول آرثر كسر الجليد بحذر، سألها عن دراستها، وعن سنواتها الفائتة، لكن تشيلسي كانت حذرة في إجاباتها، لم تشتكِ ولم تتباك، بل قالت باقتضاب: "كانت حياة علمتني كيف أعتمد على نفسي." أدرك آرثر بحدسه التجاري الثاقب ما تخفيه تلك النبرة من جراح؛ أقسم في سره أن يجعل من مسّها يدفع الثمن غالياً. مع حلول المساء، لم يتجه الموكب إلى قصر العائلة في أطراف الرياض، بل انعطف نحو برج الفيصلية الشامخ في قلب العاصمة. نزل الموكب إلى الممر السري المخصص لكبار الشخصيات تحت الأرض. "والدتكِ حجزت الطابق الرئاسي بالكامل،" أوضح آرثر وهو يرافقها إلى المصعد الخاص السريع، "لم تشأ أن نلتقي في القصر بوجود الخدم والبروتوكولات الرسمية حتى لا تشعري بالضغط. أرادت أن تكون لحظتكم الأولى في هدوء تام." فُتحت أبواب المصعد في الطابق العلوي ذي السجاد الإيراني الوثير، حيث يقف حراس شخصيون عند كل زاوية. مشى آرثر حتى وصل إلى باب خشبي مذهب، وأخذ نفساً عميقاً، ثم التفت إليها بابتسامة دافئة وفتح الباب. داخل الصالون الفاخر، كانت تقف امرأة في غاية الأناقة والوقار، ترتدي فستاناً حريرياً كحلياً، لكن ملامحها الأرستقراطية كانت غارقة في الدموع والترقب. وما إن وقع بصرها على تشيلسي، حتى سقطت حقيبتها الصغيرة من يدها، وشهقت بوجع خزنته اثنان وعشرون عاماً: "ابنتي... تشيلسي!"
قائمة الفصول
المجموع: 200 فصل
/0/36067/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/35235/coverbig.jpg)
/0/34531/coverbig.jpg)
/0/29813/coverbig.jpg)
/0/29829/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)
/0/35216/coverbig.jpg)