تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 2 انت لا تستحق رويتها

‫‫"أتجرئين حقاً على القدوم إلى هنا؟‬ ‫‫كيف تجرئين!"‬‬

‫‫‫وفجأة، انطلق من خلف سجى صوت امرأة مشبع بالسخرية.

‫‫‫مما انتزع سجى من شرودها وأعادها إلى أرض الواقع. ‫‫‫مسحت دموعها واستدارت، لتجد وفاء الكامل واقفة خلفها.‬‬‬ ‫تحولت تعابير وجهها إلى البرود على الفور.‬

‫‫كانت وفاء هي زوجة أب سجى.‬‬ ‫‫كان جمالها دائمًا لافتًا للنظر.‬‬ ‫وحتى في عقدها الرابع الآن، كانت تحافظ على مظهرٍ متقنٍ لا عيب فيه، يجعلها تبدو وكأنها في أوائل الثلاثينيات. ‫كانت دائماً ترتدي ملابس عصرية وبمنتهى الأناقة.‬ ‫‫عندما تزوجها كامل الكامل، والد سجى، كانت لا تزال في العشرين من عمرها، وفي أوج شبابها وجمالها.‬‬

‫في ذلك الوقت، كانت والدة سجى قد توفيت للتو.‬ ‫‫ومع ذلك، كانت وفاء، الخادمة في منزلهم، حاملاً بالفعل في ذلك الوقت.

‫‫والطفل الذي كانت تحمله في أحشائها كان طفل كامل.‬‬

‫‫"لا نحتاج إلى تعاطفك الزائف.‬ ‫‫‫لا داعي لهذه الدموع الزائفة"، قالت وفاء ببرود.‬‬‬ ‫‫‫دفعت سجى جانبًا وانصرفت إلى داخل الجناح.

‫‫ترنحت سجى إلى الخلف، لكنها استعادت توازنها بسرعة وتبعت وفاء إلى الداخل.‬‬

‫‫ارتسمت ملامح اللين والراحة على وجه نور بمجرد أن لاحظت اقتراب سجى.‬‬ ‫وبرقت عيناها، اللتان كانتا ذابلتين قبل قليل، بشيء من اللمعان.‬ ‫‫وحيتها سجى بمودة وحنان.‬‬

‫‫اتجهت سجى نحو سرير المستشفى وهي ترسم ابتسامة على وجهها.‬‬ ‫‫‫أمسكت بيد نور وقالت بلطف، "سمعت أنك افتقدتني."‬‬

‫أومأت نور برأسها بحماس.‬ ‫‫"سجى، لم نلتقِ منذ ثلاثة أشهر.‬‬ ‫لقد اشتقت إليك كثيراً."‬

‫‫انقبض قلب سجى عند سماع كلمات نور.‬‬ ‫‫شعرت بأن نور كانت نقية وطيبة القلب.‬‬ ‫‫وكان ضعف نور يزيد من شعورها بالذنب الذي غمرها فجأة.

‫وكانت منافستها في الحب هي أختها الصغرى، تلك التي كانت تدللها وتعتني بها منذ طفولتهما.‬ ‫‫ومع ذلك، عندما مرضت نور، استغلت هي الفرصة لتبعد رشيد عنها من خلال إجباره على الزواج بها.‬‬ ‫‫لطالما اعتقدت أن نور ستكرهها لأنها سرقت رجلها.‬‬

‫تخيلت مواجهات نارية لا حصر لها، وكانت قد هيأت نفسها تماما لخوضها.‬ لكن لم يحدث أي من ذلك. ‫‫وبدلاً من الغضب أو الاستياء الذي توقعته من نور، لم تجد سوى الثقة.‬‬

‫‫‫غمر سجى شعور طاغٍ بالذنب.‬‬‬ ‫‫‫في كل مرة كانت تواجه فيها نور، شعرت وكأنها شريرة حقيرة.‬‬

‫‫‫احمرَّت عيناها، لكنها تمالكت نفسها وابتسمت قائلة، "أنا في إجازة الآن، لذا لديّ متسع من الوقت لأمضيه معك."

‫‫واتسعت ابتسامة نور أكثر فأكثر.‬‬ "حقًا؟ هذا رائع! ‫أتمنى أن تزوريني كل يوم إلى أن أُخرج من المستشفى.‬ ‫هل هذا مناسب لك؟"‬

"نعم بالطبع." ‫وافقت سجى على الفور.‬

‫‫تضيقت عينا وفاء وهي تراقب المشهد الذي يتكشف أمامها.‬‬ ‫‫قلبت عينيها بضجر، ثم سددت نحو سجى نظرة ملؤها الكراهية.‬‬

‫اشتد فكها غضبا، وامتلأت عيناها بالحقد والضغينة.‬ ‫لم تستطع أن تنفجر غضباً أمام نور.‬ ‫‫ولكن كلما رأت سجى، تذكرت شدة الألم واللوعة التي عانت منها نور عندما تزوج رشيد منها.

‫‫لم يكن أمام وفاء خيار سوى كبت كراهيتها تجاه سجى.‬‬ ‫‫أخذت تهدئ من روع نور برفق حتى غلبها النعاس. ‫‫‫ثم التفتت نحو سجى وقالت ببرود، "رشيد سيأتي لرؤية نور قريبا.‬‬‬ ‫‫إذا كنتِ لا تريدين أن تصبح الأمور محرجة، أقترح عليكِ المغادرة الآن.‬"‬

‫لم تقل سجى أي شيء.‬ ‫‫نهضت من مكانها، وألقت نظرة أخيرة على نور النائمة، ثم سارت باتجاه الباب.‬‬

‫‫لكن ما إن وضعت يدها على مقبض الباب، حتى دوى صوت وفاء خلفها مرة أخرى.‬‬ ‫‫‫"لا تأتي لرؤية نور مرة أخرى.‬‬‬ لقد آذيتها بشدة. ‫‫أنت لا تستحقِ رؤيتها."‬‬

‫‫اشتدت قبضة سجى على مقبض الباب، لكنها لم تنطق بكلمة.‬‬ بدلاً من ذلك، فتحت الباب وخرجت بخطوات ثقيلة.

‫‫‫اعتادت على هذا النوع من المعاملة من قِبل وفاء.‬‬‬

‫‫أغلقت سجى الباب خلفها بهدوء، ثم جلست على مقعد في الممر بتعب وإنهاك.‬‬ ‫دفنت وجهها بين كفيها وانفجرت في بكاء مرير، بينما تساقطت دموعها بغزارة دون توقف.‬

‫‫في هذه اللحظة، توقف المصعد في الطابق الذي تقع فيه غرفة نور.‬‬ ‫‫انفتح باب المصعد، وخرج منه رشيد.‬‬ ‫‫تَجمَّد في مكانه للحظة من الصدمة وهو يرى سجى تبكي بصمت في الممر.

‫‫لطالما أحبت سجى أن تتبع رشيد منذ الصغر، لذا كانت تتعرف على وقع خطواته من أول صوت. ‫وفجأة، بدا وكأنها سمعت تلك الخطوات تقترب منها.‬ ‫استنشقت الهواء بضعف، وبشكل غريزي، مسحت وجهها الملطخ بالدموع بظهر يدها.‬

‫وقف رشيد أمامها.‬ ‫‫‫‫رفعت بصرها إليه، وسألت بابتسامة باهتة، "هل جئت لرؤية نور؟‬"‬‬

‫كانت عيناها محمرتين من البكاء، ولا تزال الدموع تلمع في أهدابها، مما جعل ابتسامتها تبدو متكسرة ويائسة. ‫كانت مستحضرات التجميل على وجهها ملطخة تماماً، مما جعل مظهرها يبدو مبعثراً ومثيراً للشفقة.‬

‫‫"أم"، ‫أجاب رشيد بلا مبالاة.‬‬ "هل رأيتها بالفعل؟"

‫أومأت سجى برأسها.‬ "نعم."

‫لعل منظرها كان مثيرًا للشفقة حقًا، حتى أن رشيد وجّه إليها بعض كلمات المواساة لأول مرة. "لا تقلق. ‫‫ستخضع نور لعملية زراعة نخاع عظمي عما قريب.‬‬ ‫سوف تصبح بخير."‬

‫‫أومأت سجى برأسها مرة أخرى، وقالت بصوت خافت ومتقطع، "أعرف."

‫لم يقل رشيد أي شيء آخر.‬ ‫‫استدار، وفتح الباب، ودخل إلى الجناح.‬ ‫‫لم تستطع سجى كتم ما بداخلها، فتمتمت، "أرجوك، اعتنِ بها جيدًا".

‫على مدار عامين كاملين، حاولت بكل ما أوتيت من قوة، وفعلت كل ما بوسعها، لكنها فشلت في الفوز بقلبه.‬ ‫‫والآن، قررت أن تعيده إلى نور.‬‬ ‫كان هذا القرار يثقل كاهلها ويهصر قلبها، لكنه كان الخيار الوحيد المتبقي أمامها.‬

‫تجمد رشيد للحظة.‬ ‫ثم قال دون أن يلتفت خلفه، "لستِ بحاجة لتذكيري.‬ ‫سأعتني بها جيداً."‬

‫كل كلمة قالها كانت تنطق بقوة.‬ ‫بوضوح، كان غاضباً.‬

‫‫اتكأت سجى على جدار المستشفى البارد، غارقة في حيرة وألم عظيمين. ‫لم تستطع الفهم.‬ ‫لماذا كان رشيد لا يزال غاضباً منها؟‬ ‫ألم تكن قد وقعت بالفعل على اتفاقية الطلاق؟‬ ‫‫كان بإمكانه أخيراً التخلص منها والعودة إلى نور.‬‬ كان هذا هو اليوم الذي كان يتوق إليه. ألا ينبغي أن يكون سعيداً؟

‫ضمت ذراعيها حول نفسها بحثا عن المواساة.‬ ‫هل كان حقاً نافد الصبر معها إلى هذا الحد؟‬

‫هل كان يكرهها إلى تلك الدرجة؟‬ ‫نهش هذا السؤال قلبها الهش بالفعل.‬

‫‫دخل رشيد الجناح بالفعل، لكن سجى ظلت جالسة على الكرسي، تحدق بفراغ في الباب.‬‬

‫‫في الأيام التالية، ذهبت سجى إلى المستشفى كل صباح دون انقطاع لتطمئن على نور.‬‬ ‫لكنها كانت تعلم أنها غير مرحب بها هناك، لذا لم تدخل الجناح أبداً.‬ ‫‫كانت تقف خارج جناح نور فحسب، وتلقي نظرات خاطفة عبر نافذة الباب.

‫‫أحياناً، عندما كان رشيد يأخذ نور للتنزه في حديقة المستشفى، كانت تكتفي بمراقبتهما من بعيد.‬‬

‫‫في كل مرة كان فيها جفاء رشيد ونفاد صبره مع سجى يصطدمان باللطف والدفء اللذين يُظهرهما لنور، كان ذلك أشبه بخنجرٍ يغرس في قلب سجى.‬‬ ‫‫وكان ذلك تذكيرًا قاسيًا ومتواصلًا بأن نور هي من يكن لها كل عاطفته.‬‬ ‫لكن مهما حاولت أن تقنع نفسها بأن الأمر طبيعي، لم يخفّ الألم ولو قليلًا.‬

‫‫بعد مرور شهر، خضعت نور لعملية زراعة نخاع عظمي، وكانت العملية ناجحة للغاية.‬‬ ‫لم يحدث أي رفض للجسم أو مضاعفات، وتماثلت للشفاء بشكل جيد.‬

‫‫أخيراً، شعر قلب سجى القلق بنوع من الارتياح.‬‬

‫‫‫خلال هذه الفترة، كان رشيد يقضي جل وقته في المستشفى.‬‬‬ ‫‫يبدو أنه قد نسي أمر الذهاب إلى المحكمة مع سجى لإتمام إجراءات الطلاق.‬‬

‫‫لقد رأت سجى ما يكفي من عناية رشيد اللطيفة لنور، ذلك الحنان الذي طالما تمنت الحصول عليه ولكنها لم تنله قط.‬‬ أرادت أن تنهي كل شيء وتبدأ من جديد.

‫‫اليوم، بادرت بالاتصال برشيد‬ رنّ هاتفه لفترة طويلة قبل أن يجيب أخيراً.

‫"ماذا؟"‬ ‫استطاعت أن تسمع البرود والنفور في نبرة صوته.‬

‫"متى سنقوم بإنهاء إجراءات طلاقنا؟"‬ ‫سألت سجى مباشرة.‬

‫‫صمت رشيد لفترة من الوقت.‬‬ ‫‫‫ثم قال بنبرته المعتادة التي تنم عن اللامبالاة، "لم أوقع على الأوراق بعد."‬

‫‫دُهشت سجى للحظة.

‫كم مضى من الوقت على ذلك؟‬ ‫‫لماذا لم يوقّع على اتفاقية الطلاق بعد؟‬

هل تريد متابعة القراءة؟

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 255 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 لننفصل
  2. الفصل 2الفصل 2 انت لا تستحق رويتها
  3. الفصل 3الفصل 3 هذا لن يحدث ابدا

إصدارات جديدة