تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 3 هذا لن يحدث ابدا

‫أصيبت سجى بالذهول للحظات.‬

‫لماذا لم يوقع رشيد أوراق الطلاق بعد؟‬

‫هل من الممكن أنه ندم على طلبه الطلاق ولم يعد يرغب فيه؟

استهوتها هذه الفكرة لوهلة/لحظة.

‫كيف يمكن له، وبأي حالٍ من الأحوال، أن يندم على طلب الطلاق؟‬ ‫مستحيل؛ فقد كان يتوق للمضي قدماً في حياته، خاصة بعد أن تعافت نور وصارت قادرة على بناء مستقبل.

‫"غداً في التاسعة صباحاً، قابلني عند المحكمة،" قالت سجى بنبرة حادة، ثم أنهت المكالمة قبل أن يتمكن رشيد من الرد.‬

في تلك الليلة، لم تستطع النوم. ظلت في حالة من التيه واليقظة من المساء حتى الفجر. ‫بحلول الساعة الثامنة، وبعد أن استحمّت وارتدت بذلتها، وضعت لمسات رقيقة من المكياج وتوجهت إلى المحكمة.‬

‫مرت ساعة كاملة، ولكن لم يكن لرشيد أي أثر.‬

‫ومع تزايد انزعاجها، حاولت سجى الاتصال به، لكنه لم يجب.‬

‫اندفعت بغضب نحو مبنى مجموعة الجعفر، وتجاوزت موظف الاستقبال، لتركب المصعد متجهة مباشرة إلى الطابق الذي يضم مكتب رشيد.

‫لدى عودة رشيد من أحد الاجتماعات، وجد سجى جالسة على الأريكة الجلدية في مكتبه، وقد بدت على ملامحها آثار الإحباط والغضب الشديد.‬

‫"منذ متى وأنتِ جالسة هنا؟"‬ ‫سأل بنبرة هادئة ورتيبة، بينما كان يسير نحو مكتبه ويبدأ في ترتيب أوراق أحد الملفات.‬

‫"ثلاثون دقيقة،" أجابت.‬

‫"انتظري لفترة أطول إذاً،" اقترح قائلاً، ثم انغمس مجدداً في عمله، متجاهلاً وجودها تماماً.‬

‫كان الغضب يغلي بداخل سجى، وباتت على وشك الانفجار.‬

‫"رشيد، ما معنى هذا التصرف؟"‬

‫‫‫لقد انتظرته عند المحكمة لمدة ساعة كاملة، والآن وبعد أن جاءت إلى هنا، لا يزال يريد منها أن تنتظر‬.‬

‫أكانت تعني له القليل إلى هذا الحد؟ بل أقل من مجرد وثيقة تنتظر توقيعه؟‬

‫"ما الذي تتوقعينه مني بالضبط؟"‬

‫ارتفعت نبرة صوتها قليلاً، مما استرعى انتباه رشيد الذي رفع عينيه ونظر إليها أخيراً.‬

"طلبت منك الانتظار."

‫"لا يمكنني الانتظار أكثر من ذلك.‬ ‫أريد إتمام إجراءات الطلاق اليوم."‬

‫نفد صبر سجى تماماً أمام بروده وازدرائه.‬

"لن يحدث ذلك."

‫تجمدت سجى في مكانها، وقد ألجمتها الصدمة عن الكلام.‬

‫أطرق رشيد رأسه، وعاد لممارسة عمله من جديد.‬ ‫بعد لحظات وجيزة، سحب أوراق الطلاق من أحد الأدراج واقترب من سجى.‬

‫أمام عينيها، مزق الأوراق إلى قصاصات صغيرة.‬

‫"لا تزالين زوجتي يا سجى، وهذا الأمر لن يتغير.‬ ألم تقل إنك تحبني؟ ‫ألم تكوني أنتِ من أصررتِ على أن تصبحي زوجتي؟‬ هذا اللقب يبقى لك. ‫ولا يمكن لأي أحد غيركِ ادعاء ذلك."‬ ‫تأجج الغضب في عيني رشيد وهو يتحدث.‬

‫تملكت الحيرة سجى.‬ ‫كانت قد وقعت على أوراق الطلاق، كما أن حالة نور كانت في تحسن مستمر. ‫لماذا بدأ رشيد يتردد في قراره الآن؟‬

‫طوال عامين، بدا وكأنه مستميت لإخراجها من حياته.‬ ‫والآن وقد صارت الفرصة التي طالما سعى إليها في متناوله، فلماذا يتردد؟

"لماذا؟ ‫أنت من كنت تطلب هذا الطلاق.‬ ‫لقد قررت إعادتكِ إلى نور.‬ لن أزعجك أكثر من ذلك. ‫أرجوك، دعني أرحل."‬ ‫تخلت سجى عن كبريائها، وتوسلت إليه بخشوع واستسلام.

‫عقدت العزم على إنهاء كل شيء من أجل مصلحة الجميع، بما في ذلك مصلحتها الشخصية.‬

‫وعلى الرغم من قسوة هذا الخيار، إلا أنها كانت مستعدة نفسياً لتحمل عواقبه.

‫"أسمح لك بالمغادرة؟"‬ ‫التوت زوايا فم رشيد في ابتسامة ساخرة ومهينة.‬ "الأمر ليس بهذه البساطة أبداً."

‫"لماذا تراجعتَ عن الطلاق فجأة؟"‬

‫"إنها رغبة نور."‬

"ماذا؟"

‫"إنها تأمل أن ترانا معاً، وسعيدين."‬

‫كان عدم تصديق سجى ملموساً، وإحباطها جلياً للعيان.‬

‫"ماذا تقصد بأنها تأمل أن ترانا معاً؟"‬

‫"إنها تتخيل حياة نكون فيها معاً، نعيش في وئام وازدهار."‬

‫اختفت الابتسامة الساخرة عن وجه رشيد فجأة، لتعود إليه سحنته الباردة المعتادة.

‫ومع ذلك، كان يعيش في صراع داخلي عارم.‬ ‫لم يكن مجرد قطعة شطرنج تُحرّكها هاتان المرأتان حسب أهوائهما. كانت حياته ملكاً له.

‫جاهدت سجى لتستوعب منطقه، يساورها شك عميق في أنه لا يفعل ذلك إلا وفاءً بوعد قطعه لنور.‬

‫لكن الأمر لم يكن منطقياً بالنسبة لها على الإطلاق.‬

‫"ألا تخطط للزواج من نور؟"‬

‫أصاب سؤالها وتراً حساساً لديه، فاحتقن وجه رشيد وبدت عليه علامات الجهم والكدر.‬ ‫"عودي إلى الفندق واحزمي أمتعتكِ."‬

‫شعرت سجى بالصدمة.‬ ‫هل كان يطلب منها حقاً العودة إلى قصر الجعفر؟‬

‫كانت نبرته تحمل ذات القدر من السلطة والتعالي الذي كانت عليه قبل شهر، حينما طردها بلا رحمة.‬

‫"رشيد..."‬

‫ضاقت عينا رشيد، واجتاحت ملامحه عاصفة من الغضب العارم.‬

‫"هل ستغادرين بمحض إرادتكِ، أم سيتعين علي إخراجكِ بالقوة؟"‬

‫أمام ثورة غضب رشيد العارمة، فتحت سجى شفتيها لمحاولة الرد، لكن لم تخرج منهما أي نبرة.‬

‫استدار رشيد بعيداً، مولياً وجهه نحو النافذة الواسعة الممتدة.‬ ‫أشعل سيجارة، وبدا ظله مرسوماً بوضوح خلف الزجاج، بينما وضع يده الأخرى في جيبه باسترخاء.

‫بحلول الوقت الذي استدار فيه ليواجه الغرفة مجدداً، كانت سجى قد غادرت.‬

‫لم تترك خلفها سوى فنجان من القهوة الباردة وبقايا أوراق ممزقة تبعثرت فوق الطاولة.‬

‫على مدار عامين كاملين، كان رشيد ينتظر هذا الطلاق.‬

‫كانت تلك الأوراق، التي أعدّها مساعده بعناية، تهدف إلى قطع كل الروابط التي تجمعهما بمجرد التوقيع عليها.‬ ‫ومع ذلك، والآن بعد أن جفّ حبر توقيع سجى على الأوراق، اجتاحه مزيج مربك من الحنق والتردد الذي لم يجد له تفسيراً.‬

‫هل كانت رغبة نور في بقائهما معاً هي حقاً السبب وراء هذا التردد؟‬

لم يكن متأكداً حتى هو نفسه.

——

‫جلب أواخر الخريف معه برودة تخترق هواء المساء.

‫‫‫جابت سجى الشوارع بلا هدى، حائرة الخطى والروح، حتى وجدت نفسها مرة أخرى واقفة أمام المستشفى العام.

‫تعددت زياراتها لهذا المكان لدرجة أنها لم تعد قادرة على إحصائها. ‫كانت تتوق لرؤية نور، لكنها ترددت عند عتبة الباب.‬ ‫وقفت وسط صخب المدخل تراقب الناس والسيارات تتدفق، وكأن الحياة تمضي بلا اكتراث. ثم استجمعت شجاعتها بعد لحظات ودخلت، متجهة بخطى ثقيلة نحو جناح المرضى الداخليين.

‫وقفت أمام باب غرفة نور كما اعتادت مراراً، لكن تسمرت سجى في مكانها عندما تناهى إلى مسامعها صوت وفاء الحاد والآمر من الداخل.‬ ‫"بمجرد خروجكِ من المستشفى، ستتزوجين من رشيد."‬

‫هزت نور رأسها برفض قاطع، رغم ملامح التعب والإرهاق التي كانت تكسو وجهها الشاحب.‬ ‫كان صوتها هادئاً، لكنه يحمل نبرة الحسم التي لا تقبل الجدل.‬ ‫"لن أتزوج رشيد.‬ ‫هو ينتمي إلى سجى."‬

‫كان هذا كفيلاً بأن يفقد وفاء صوابها تماماً.‬ ‫‫"نور، لماذا لا يمكنكِ التفكير في مصلحتكِ الخاصة؟‬ ‫إذا كان رشيد يرفض الطلاق، فعليكِ أنتِ أن تضغطي عليه.‬ ‫إنه يهتم بكِ أنتِ، لا بسجى."‬

‫"أمي، صحتي متدهورة.‬ ‫لقد حذرني الطبيب من أن مرضي قد يعود في أي لحظة.‬ ‫في ظل حالتي الحالية، قد لا تكون عملية زراعة نخاع عظم أخرى خياراً متاحاً؛ سأضطر حينها للجوء إلى العلاج الكيماوي.‬ ‫لكن العلاج الكيماوي قاسٍ جداً، وأنا خائفة حقاً من أنني لن أتمكن من النجاة منه."‬

‫"قال الطبيب إنه قد يعود، ولم يقل إنه سيعود حتماً!"‬

‫"أدرك ما تعنينه، لكن رشيد لم يفتح موضوع الطلاق حتى الآن.‬ ماذا يمكنني أن أفعل؟"

‫شعرت سجى بثقل يثقل صدرها.‬ ‫‫كانت تعتقد بصدق أن نور في طريقها للتعافي التام بعد الجراحة، لكنها لم تتوقع أبداً أن يظل شبح الانتكاسة يطاردها بهذا القرب.‬‬

‫هل هذا هو السبب الذي جعل نور مترددة في الزواج من رشيد؟‬

هذا كل ما هو متاح حاليًا.

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 255 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 لننفصل
  2. الفصل 2الفصل 2 انت لا تستحق رويتها
  3. الفصل 3الفصل 3 هذا لن يحدث ابدا

إصدارات جديدة