/0/36063/coverbig.jpg)
الفصل 3 هذا لن يحدث ابدا
أصيبت سجى بالذهول للحظات.
لماذا لم يوقع رشيد أوراق الطلاق بعد؟
هل من الممكن أنه ندم على طلبه الطلاق ولم يعد يرغب فيه؟
استهوتها هذه الفكرة لوهلة/لحظة.
كيف يمكن له، وبأي حالٍ من الأحوال، أن يندم على طلب الطلاق؟ مستحيل؛ فقد كان يتوق للمضي قدماً في حياته، خاصة بعد أن تعافت نور وصارت قادرة على بناء مستقبل.
"غداً في التاسعة صباحاً، قابلني عند المحكمة،" قالت سجى بنبرة حادة، ثم أنهت المكالمة قبل أن يتمكن رشيد من الرد.
في تلك الليلة، لم تستطع النوم. ظلت في حالة من التيه واليقظة من المساء حتى الفجر. بحلول الساعة الثامنة، وبعد أن استحمّت وارتدت بذلتها، وضعت لمسات رقيقة من المكياج وتوجهت إلى المحكمة.
مرت ساعة كاملة، ولكن لم يكن لرشيد أي أثر.
ومع تزايد انزعاجها، حاولت سجى الاتصال به، لكنه لم يجب.
اندفعت بغضب نحو مبنى مجموعة الجعفر، وتجاوزت موظف الاستقبال، لتركب المصعد متجهة مباشرة إلى الطابق الذي يضم مكتب رشيد.
لدى عودة رشيد من أحد الاجتماعات، وجد سجى جالسة على الأريكة الجلدية في مكتبه، وقد بدت على ملامحها آثار الإحباط والغضب الشديد.
"منذ متى وأنتِ جالسة هنا؟" سأل بنبرة هادئة ورتيبة، بينما كان يسير نحو مكتبه ويبدأ في ترتيب أوراق أحد الملفات.
"ثلاثون دقيقة،" أجابت.
"انتظري لفترة أطول إذاً،" اقترح قائلاً، ثم انغمس مجدداً في عمله، متجاهلاً وجودها تماماً.
كان الغضب يغلي بداخل سجى، وباتت على وشك الانفجار.
"رشيد، ما معنى هذا التصرف؟"
لقد انتظرته عند المحكمة لمدة ساعة كاملة، والآن وبعد أن جاءت إلى هنا، لا يزال يريد منها أن تنتظر.
أكانت تعني له القليل إلى هذا الحد؟ بل أقل من مجرد وثيقة تنتظر توقيعه؟
"ما الذي تتوقعينه مني بالضبط؟"
ارتفعت نبرة صوتها قليلاً، مما استرعى انتباه رشيد الذي رفع عينيه ونظر إليها أخيراً.
"طلبت منك الانتظار."
"لا يمكنني الانتظار أكثر من ذلك. أريد إتمام إجراءات الطلاق اليوم."
نفد صبر سجى تماماً أمام بروده وازدرائه.
"لن يحدث ذلك."
تجمدت سجى في مكانها، وقد ألجمتها الصدمة عن الكلام.
أطرق رشيد رأسه، وعاد لممارسة عمله من جديد. بعد لحظات وجيزة، سحب أوراق الطلاق من أحد الأدراج واقترب من سجى.
أمام عينيها، مزق الأوراق إلى قصاصات صغيرة.
"لا تزالين زوجتي يا سجى، وهذا الأمر لن يتغير. ألم تقل إنك تحبني؟ ألم تكوني أنتِ من أصررتِ على أن تصبحي زوجتي؟ هذا اللقب يبقى لك. ولا يمكن لأي أحد غيركِ ادعاء ذلك." تأجج الغضب في عيني رشيد وهو يتحدث.
تملكت الحيرة سجى. كانت قد وقعت على أوراق الطلاق، كما أن حالة نور كانت في تحسن مستمر. لماذا بدأ رشيد يتردد في قراره الآن؟
طوال عامين، بدا وكأنه مستميت لإخراجها من حياته. والآن وقد صارت الفرصة التي طالما سعى إليها في متناوله، فلماذا يتردد؟
"لماذا؟ أنت من كنت تطلب هذا الطلاق. لقد قررت إعادتكِ إلى نور. لن أزعجك أكثر من ذلك. أرجوك، دعني أرحل." تخلت سجى عن كبريائها، وتوسلت إليه بخشوع واستسلام.
عقدت العزم على إنهاء كل شيء من أجل مصلحة الجميع، بما في ذلك مصلحتها الشخصية.
وعلى الرغم من قسوة هذا الخيار، إلا أنها كانت مستعدة نفسياً لتحمل عواقبه.
"أسمح لك بالمغادرة؟" التوت زوايا فم رشيد في ابتسامة ساخرة ومهينة. "الأمر ليس بهذه البساطة أبداً."
"لماذا تراجعتَ عن الطلاق فجأة؟"
"إنها رغبة نور."
"ماذا؟"
"إنها تأمل أن ترانا معاً، وسعيدين."
كان عدم تصديق سجى ملموساً، وإحباطها جلياً للعيان.
"ماذا تقصد بأنها تأمل أن ترانا معاً؟"
"إنها تتخيل حياة نكون فيها معاً، نعيش في وئام وازدهار."
اختفت الابتسامة الساخرة عن وجه رشيد فجأة، لتعود إليه سحنته الباردة المعتادة.
ومع ذلك، كان يعيش في صراع داخلي عارم. لم يكن مجرد قطعة شطرنج تُحرّكها هاتان المرأتان حسب أهوائهما. كانت حياته ملكاً له.
جاهدت سجى لتستوعب منطقه، يساورها شك عميق في أنه لا يفعل ذلك إلا وفاءً بوعد قطعه لنور.
لكن الأمر لم يكن منطقياً بالنسبة لها على الإطلاق.
"ألا تخطط للزواج من نور؟"
أصاب سؤالها وتراً حساساً لديه، فاحتقن وجه رشيد وبدت عليه علامات الجهم والكدر. "عودي إلى الفندق واحزمي أمتعتكِ."
شعرت سجى بالصدمة. هل كان يطلب منها حقاً العودة إلى قصر الجعفر؟
كانت نبرته تحمل ذات القدر من السلطة والتعالي الذي كانت عليه قبل شهر، حينما طردها بلا رحمة.
"رشيد..."
ضاقت عينا رشيد، واجتاحت ملامحه عاصفة من الغضب العارم.
"هل ستغادرين بمحض إرادتكِ، أم سيتعين علي إخراجكِ بالقوة؟"
أمام ثورة غضب رشيد العارمة، فتحت سجى شفتيها لمحاولة الرد، لكن لم تخرج منهما أي نبرة.
استدار رشيد بعيداً، مولياً وجهه نحو النافذة الواسعة الممتدة. أشعل سيجارة، وبدا ظله مرسوماً بوضوح خلف الزجاج، بينما وضع يده الأخرى في جيبه باسترخاء.
بحلول الوقت الذي استدار فيه ليواجه الغرفة مجدداً، كانت سجى قد غادرت.
لم تترك خلفها سوى فنجان من القهوة الباردة وبقايا أوراق ممزقة تبعثرت فوق الطاولة.
على مدار عامين كاملين، كان رشيد ينتظر هذا الطلاق.
كانت تلك الأوراق، التي أعدّها مساعده بعناية، تهدف إلى قطع كل الروابط التي تجمعهما بمجرد التوقيع عليها. ومع ذلك، والآن بعد أن جفّ حبر توقيع سجى على الأوراق، اجتاحه مزيج مربك من الحنق والتردد الذي لم يجد له تفسيراً.
هل كانت رغبة نور في بقائهما معاً هي حقاً السبب وراء هذا التردد؟
لم يكن متأكداً حتى هو نفسه.
——
جلب أواخر الخريف معه برودة تخترق هواء المساء.
جابت سجى الشوارع بلا هدى، حائرة الخطى والروح، حتى وجدت نفسها مرة أخرى واقفة أمام المستشفى العام.
تعددت زياراتها لهذا المكان لدرجة أنها لم تعد قادرة على إحصائها. كانت تتوق لرؤية نور، لكنها ترددت عند عتبة الباب. وقفت وسط صخب المدخل تراقب الناس والسيارات تتدفق، وكأن الحياة تمضي بلا اكتراث. ثم استجمعت شجاعتها بعد لحظات ودخلت، متجهة بخطى ثقيلة نحو جناح المرضى الداخليين.
وقفت أمام باب غرفة نور كما اعتادت مراراً، لكن تسمرت سجى في مكانها عندما تناهى إلى مسامعها صوت وفاء الحاد والآمر من الداخل. "بمجرد خروجكِ من المستشفى، ستتزوجين من رشيد."
هزت نور رأسها برفض قاطع، رغم ملامح التعب والإرهاق التي كانت تكسو وجهها الشاحب. كان صوتها هادئاً، لكنه يحمل نبرة الحسم التي لا تقبل الجدل. "لن أتزوج رشيد. هو ينتمي إلى سجى."
كان هذا كفيلاً بأن يفقد وفاء صوابها تماماً. "نور، لماذا لا يمكنكِ التفكير في مصلحتكِ الخاصة؟ إذا كان رشيد يرفض الطلاق، فعليكِ أنتِ أن تضغطي عليه. إنه يهتم بكِ أنتِ، لا بسجى."
"أمي، صحتي متدهورة. لقد حذرني الطبيب من أن مرضي قد يعود في أي لحظة. في ظل حالتي الحالية، قد لا تكون عملية زراعة نخاع عظم أخرى خياراً متاحاً؛ سأضطر حينها للجوء إلى العلاج الكيماوي. لكن العلاج الكيماوي قاسٍ جداً، وأنا خائفة حقاً من أنني لن أتمكن من النجاة منه."
"قال الطبيب إنه قد يعود، ولم يقل إنه سيعود حتماً!"
"أدرك ما تعنينه، لكن رشيد لم يفتح موضوع الطلاق حتى الآن. ماذا يمكنني أن أفعل؟"
شعرت سجى بثقل يثقل صدرها. كانت تعتقد بصدق أن نور في طريقها للتعافي التام بعد الجراحة، لكنها لم تتوقع أبداً أن يظل شبح الانتكاسة يطاردها بهذا القرب.
هل هذا هو السبب الذي جعل نور مترددة في الزواج من رشيد؟
قائمة الفصول
المجموع: 255 فصلاً
/0/31381/coverbig.jpg)
/0/35602/coverbig.jpg)
/0/29732/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)
/0/29736/coverbig.jpg)
/0/30314/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/35216/coverbig.jpg)