تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 2 No.2

مسحت أمل دموعها بكف يدها، وأعادت ترتيب حجابها وفستانها الطويل. فتحت باب غرفة نومها، واستنشقت نفساً عميقاً، محاولة استجماع شتات نفسها. ذكريات العامين الماضيين، كل محاولاتها اليائسة للاندماج في حياته، كل التنازلات التي قدمتها، بدت الآن وكأنها سراب، وهم كبير عاشت فيه.

وضعت يديها على بطنها المسطح.

"من أجلك أنت، يجب أن أكون قوية." همست في الظلام.

خرجت إلى غرفة المعيشة، وقلبها يخفق بقوة.

كان سلطان يقف في منتصف الغرفة، وظهره لها. كان يخلع غترته ببطء. حمل الهواء معه برودة الليل، ورائحة عطر نسائي باهظ الثمن لم يكن عطرها.

لم يكلف نفسه عناء تحيتها. استدار، ونظر إليها مباشرة، وقال باللغة العربية الفصحى، بكلمات حادة كالشظايا: "علينا أن نتحدث بشأن الطلاق."

الطلاق.

الكلمة سقطت في صمت الغرفة مثل حكم إعدام. انطفأت آخر شعلة أمل في قلبها، وتحولت إلى رماد بارد.

عضت على شفتها السفلى بقوة، حتى شعرت بطعم الدم المعدني في فمها. أجبرت نفسها على الوقوف بثبات، وقالت بصوت بالكاد حافظ على تماسكه: "هل هذا بسبب عودتها؟"

تجنب سلطان ذكر اسم داليا، وكأنه مقدس جداً بحيث لا يمكن تدنيسه في محادثة كهذه. قال ببرود: "كان هذا سيحدث عاجلاً أم آجلاً. هذا الزواج كان مجرد ترتيب وانتهى وقته."

ثم، وكأنه يقدم صفقة تجارية، أضاف: "سأمنحك فيلا في شمال الرياض كتعويض."

فيلا.

تذكرت أمل اللحظات النادرة التي كان يشاركها فيها الفراش. تلك اللحظات التي كانت تعتقد أنها تحمل بعض المودة، أدركت الآن أنها لم تكن سوى تفريغ لحاجة جسدية، خالية من أي عاطفة. كان يستخدم جسدها كما يستخدم أي شيء آخر يملكه.

ضحكت. كانت ضحكة باردة، مريرة، خالية من أي مرح.

"لا أريد الفيلا الخاصة بك." قالت، وكل كلمة كانت بمثابة إعلان استقلال. "أنا أوافق على الطلاق."

استدارت، واتجهت نحو غرفة الضيوف في نهاية الممر. كان كل خطوة تخطوها بمثابة رسم خط واضح في الرمال، خط يفصل عالمها عن عالمه إلى الأبد.

نظر سلطان إلى ظهرها المستقيم والحاسم، وظهرت على وجهه نظرة من الدهشة غير المتوقعة. للحظة وجيزة، تردد، وفتح فمه ليقول شيئاً، ربما كلمة توقفها، أو ربما مجرد سؤال.

لكن في تلك اللحظة، اهتز هاتفه في جيبه مرة أخرى. نغمة الرنين الخاصة التي لم تكن مخصصة لها قطعت أفكاره.

أجاب على الهاتف، وتحول صوته على الفور إلى نبرة دافئة ومطمئنة. "لا تخافي. سأرسل السائق الآن."

سمعت أمل هذا التناقض الصارخ في نبرة صوته وهي تقف عند باب غرفة الضيوف. شعرت وكأن قلبها يتمزق. دخلت الغرفة بسرعة وأغلقت الباب خلفها.

لم تفتح النور. استندت بظهرها على الباب، وشعرت بالخوف يزحف في عروقها. الخوف من المستقبل المجهول، من أن تصبح أماً عزباء في مجتمع لا يرحم.

اتجهت نحو الحمام الملحق بالغرفة، تريد أن تغسل وجهها بالماء البارد، أن توقظ نفسها من هذا الكابوس.

كانت الأرضية مبللة قليلاً من تسريب بسيط لم تلاحظه. في حالة الذهول التي كانت فيها، انزلقت قدمها.

فقدت توازنها، وسقطت بقوة على الأرضية الرخامية الباردة.

في جزء من الثانية، بينما كان جسدها يسقط، تصرف عقلها بغريزة الأمومة. لوت جسدها في الهواء، ووضعت ذراعيها حول بطنها لحمايته، مما أدى إلى اصطدام مرفقها بقوة بحافة حوض الغسيل الحادة.

دوى صوت الاصطدام في صمت الشقة.

فتح سلطان باب غرفة الضيوف بعنف، واندفع إلى الداخل. "أمل؟"

عندما رأى جسدها ممدداً على أرضية الحمام، ظهر الذعر الحقيقي في عينيه لأول مرة.

ركع بجانبها، وصوته يحمل لهفة حقيقية. "هل أنتِ بخير؟ هل تأذيتِ؟"

نظرت أمل إلى وجهه القريب، إلى عينيه القلقتين. للحظة واحدة، سمحت لنفسها بالوقوع في وهم أنه يهتم. ارتجفت شفتاها. للحظة، كادت الكلمات أن تفلت منها. ماذا لو أخبرته؟ ماذا لو قالت إنها تحمل طفله؟ هل سيغير ذلك أي شيء؟

لكنها نظرت في عينيه، ورأت وراء القلق نفس البرودة المألوفة، نفس الجدار الذي لا يمكن اختراقه. تذكرت كلماته: "كان هذا الزواج مجرد ترتيب." أدركت أن لا شيء يمكن أن يغير ما هو أساساً محكوم عليه بالفناء. ابتلعت الكلمات القاتلة التي كادت أن تخرج، وابتلعت معها آخر أحلامها.

تجاهلت الألم الحاد في مرفقها، ورفعت عينيها إليه ببطء. مدت يدها، ووضعتها فوق يد سلطان التي كانت لا تزال ممسكة بذراعها، وضغطت عليها برفق، محاولة أن تنقل له دون كلمات ما لم تستطع النطق به. أشارت بعينيها إلى بطنها، ثم رفعتهما إليه مجدداً، طالبة منه أن يفهم، أن يرى الحقيقة دون أن تضطر إلى قولها بصوت عالٍ.

قطب سلطان حاجبيه، وأدرك على الفور المعنى الخفي لحركتها. بردت نظرته في لحظة، واختفى القلق وحل محله الشك الجليدي.

نهض، ووقف فوقها، ونظر إليها من علٍ، وكأنها حشرة تحت قدميه.

قال ببرود قاطع: "لقا قمنا دائماً باتخاذ الاحتياطات. من المستحيل أن يكون هناك أي حادث."

صمت للحظة، ثم أضاف جملة قاسية، جملة حطمت آخر بقايا روحها: "وحتى لو كان هناك حادث، يجب التخلص منه. لا تجعلي الأمور أكثر تعقيداً."

شعرت أمل وكأنها سقطت في بئر من الجليد. ارتجف جسدها بالكامل، ليس من الألم، بل من برودة كلماته. لقد رأت الآن حقيقته كاملة، رجل بلا قلب، رجل لن يتردد في التخلص من طفله من أجل راحته.

عضت على شفتها بقوة، وابتلعت الحقيقة التي كانت على وشك أن تخرج. لن يعرف أبداً. لن تمنحه الفرصة لقتل طفلها.

استندت على الحائط، ووقفت بصعوبة، والألم يخترق ذراعها. نظرت إليه بعينين فارغتين، وقالت بصوت بارد كصوتها: "أنا بخير. اخرج."

نظر سلطان إلى وجهها الشاحب، وبدا وكأنه يريد أن يقول شيئاً. لكن هاتفه اهتز مرة أخرى، معلناً عن وجود شخص آخر، عالم آخر، أكثر أهمية.

ألقى نظرة على الشاشة، ثم استدار وغادر الغرفة دون كلمة أخرى.

تركها وحيدة في الحمام البارد، ويدها تحمي بطنها، تحمي سرها الصغير والهش من العالم القاسي الذي ينتظر في الخارج.

هل تريد متابعة القراءة؟

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 280 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 No.1
  2. الفصل 2الفصل 2 No.2
  3. الفصل 3الفصل 3 No.3

إصدارات جديدة