/0/29732/coverbig.jpg)
الفصل 2 No.2
اخترق بياض السقف العيادي عيني أمل فور أن تحركت جفونها الثقيلة ببطء مجهد. كان طعم البنج ما زال مراً في حلقها، وكل حركة صغيرة في قفصها الصدري تشعل ناراً حامية في موضع الجراحة بأسفل بطنها. حولت بصرها بوهن نحو الجانب الآخر من الغرفة المعقمة، فتصلبت مقلتاها. كان راشد يجلس هناك، فوق الأريكة الجلدية الفاخرة المجاورة للنافذة الواسعة. يرتدي ثوبه الأبيض الناصع ذو الياقة المرتفعة، وكندورته مسدولة بلا تجعيدة واحدة، وعلى رأسه الشماغ الأحمر المثبت بالعقال الملكي بدقة لا تشوبها شائبة. كان منغمساً في مراجعة ملف جلدي بين يديه، وهدوء ملامحه يوحي بأنه في قاعة اجتماعات وزارية وليس بجوار زوجته الخارجة لتوها من غرفة الإنعاش. عندما أصدر السرير صريراً خفيفاً إثر محاولتها التنفس بعمق، رفع راشد رأسه. تلاقت عيونهما؛ كانت عيناه سوداوين، حادتين، وخاليتين من أي ذرة قلق، كأنه ينظر إلى موظف تأخر عن موعده. "أفقتِ؟" سأل بنبرة خفيضة ومسطحة. أغمضت أمل عينيها لثوانٍ كي لا تتقيأ من فرط الخيبة، ثم همست بصوت كأنه يخرج من قاع بئر: "ماذا تفعل هنا؟" أغلق راشد الملف ووضعه فوق الطاولة الزجاجية، ثم نهض بقامته الفارعة واقترب من طرف السرير، ناظراً إليها من علٍ ببرود قاتل. لم يسأل عن صحتها، ولم يتفقد ضماد جرحها، بل قال مباشرة: "أمل، يجب أن ننفصل. دعينا ننهي هذا الزواج." فتحت عينيها على اتساعهما، وشعرت بنبضات قلبها تضرب في صدغيها بعنف. تابع راشد بلهجة تبريرية لا تخلو من غطرسة سياسية: "سيكون طلاقاً شكلياً فقط على الورق. رزان... حالتها النفسية غير مستقرة إطلاقاً، والأطباء حذروا من أن أي صدمة قد تسقط الجنين. لقد هددت بالانتحار إن بقيتِ على ذمتي. أحتاج إلى وثيقة طلاق رسمية لأقدمها لعائلتها لتهدئة الأوضاع في هذا التوقيت الحرج." "شكلياً؟" خرجت الكلمة من بين شفتيها الشاحبتين كفحيح أفعى جريحة، وحاولت الاستناد على مرفقيها لترفع جذعها، فتمزقت عضلات بطنها ألماً أطلق آهة مكتومة من صدرها. امتدت يد راشد في الهواء بحركة عفوية وسريعة ليمسك بكتفها ويسندها، لكن أصابعه تجمدت في منتصف المسافة لبرهة، قبل أن يسحب يده بهدوء ويعيدها خلف ظهره، متراجعاً خطوة إلى الوراء. ابتسمت أمل ابتسامة باردة مسمومة، وسخرت منه بعينين تشتعلان كراهية: "لماذا سحبت يدك يا سمو الشيخ؟ هل تخشى أن تدنس طهارتك المزعومة بلمس جسد زوجتك الشرعية؟ أخبرني بربك، طوال ثلاث سنوات، ماذا كنتُ أنا بالنسبة لك؟ هل كنتُ مجرد أداة لإسكات أعمامك في مجلس العائلة، أم واجهة محترمة لتستر بها علاقاتك الملوثة؟" عقد راشد حاجبيه، ونفد صبره سريعاً ليقول بحزم: "أمل، لا تبدئي بالتخبط واختلاق المسرحيات. أنتِ تدركين مكانة عائلة المهنا وثقلهم في دعم موقفي الحالي. الأمر لا يحتمل نقاشاً." "مسرحيات؟" ارتفعت نبرة صوتها رغم الوهن، وسالت دمعة يتيمة وحارقة أحرقت وجنتها فمسحتها بظهر كفها المرتجف بحركة قاطعة: "أنا كنت بين الحياة والموت على طاولة العمليات، بينما كنتَ أنت تتقاسم الضحكات وتتحسس بطن عشيقتك في الطابق العلوي! والآن تأتي لتقول لي إنها مسرحية؟" تغير لون وجه راشد قليلاً، وضاقت عيناه بدهشة مباغتة، إذ لم يتوقع أن تكون قد علمت بالأمر بتلك التفاصيل. لكنه سرعان ما استعاد قناعه الجليدي وصمت، وصمته كان بمثابة اعتراف صريح ذبح ما تبقى لها من صبر. أخذت أمل نفساً عميقاً، وقالت بنبرة فولاذية لم يعهدها منها يوماً: "أنا أرفض." "ماذا؟" برق الشرر في عيني راشد. "قلتُ لك: لن أوافق على الطلاق. لا شكلياً، ولا حقيقياً." ثبتت بصرها في عينيه دون أن ترمش: "أنت تريد أن ترضيها وتمنحها راحة البال؟ حسناً، لن تنال ما تريد. طالما أنني أحمل لقب حرم الشيخ راشد، ستظل رزان المهنا مجرد عشيقة رخيصة في الظل، وسيبقى طفلها القادم في نظر المجتمع مجرد نطفة بلا شرف شرعي يفاخر به." اقترب راشد خطوة أخرى، وهبط صوته إلى درجات مخيفة من الوعيد: "أمل، لا تختبري حدود صبري. أنتِ لا تملكين شيئاً لتهدديني به." "وصبرك هذا... ألم تنفقه كله على رزان؟" سخرت منه بوجه جامد. حدق فيها راشد بنظرة غامضة اختلط فيها الغضب بالذهول، كأنه يرى امرأة لم يلتقِ بها من قبل. مد يده داخل جيب بشتِه، وأخرج مغلفاً أبيض يحتوي على وثيقة الطلاق المجهزة سلفاً، ورماها فوق المنضدة المجاورة لسريرها بقسوة. "فكري جيداً ووقعي عندما يعود إليكِ عقلك. لن أنتظر طويلاً." استدار راشد وغادر الغرفة بخطوات واسعة وحاسمة، وصفق الباب خلفه بقوة ارتجت لها النوافذ. نظرت أمل إلى الورقة البيضاء الرابضة بجانبها كأفعى سامة. كانت ترتجف بكل خلية في جسدها، لكنه لم يكن ارجاف المرض أو الضعف، بل غليان الانتقام الذي بدأ يسري في عروقها بدلاً من الدماء. مدت يدها، وقبضت على كوب الماء الزجاجي الموضوع قرب سريرها، وبكل ما بقي في ذراعيها من عزم، هوت به نحو الباب الخشبي المغلق. تحطم الكوب إلى شظايا متناثرة أحدثت دوياً ملأ أرجاء الغرفة، وتطاير الماء على خشب الباب كدموع مهدرة لن تسكب مثلها بعد اليوم أبداً.
قائمة الفصول
المجموع: 220 فصلاً
/0/36064/coverbig.jpg)
/0/29817/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/30939/coverbig.jpg)
/0/32273/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/35216/coverbig.jpg)
/0/35602/coverbig.jpg)
/0/36063/coverbig.jpg)