تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

في صبيحة اليوم التالي، انفتح باب الجناح الطبي بقوة دون استئذان. دخل راشد، ملامحه أشد قتامة من الأمس، وعيناه محاطتان بهالات رمادية توحي بليلة لم يعرف فيها النوم، لكن كبرياءه الأرستقراطي لم ينكسر. مشى بخطوات عسكرية حتى وقف أمام سريرها، ودفع الملف الأبيض وقلم حبر ذهبي فاخر نحوها بفظاظة: "وقّعي الآن يا أمل. انتهى وقت العبث." نظرت أمل إلى خط فكه المشدود، وإلى بريق الغرور المستحكم في عينيه، وسألته بصوت هادئ وميت: "لماذا الإصرار على التخلص مني بهذه الطريقة المهينة؟" أجاب راشد بنبرة سياسية متبلدة: "لأن هذا هو واجبي تجاه مكانتي. تحالف عائلة المهنا مع فرعنا ضرورة لا يمكن التضحية بها، واستقرار رزان جزء من هذا الاتفاق. أما أنتِ يا أمل... فأنتِ لا تملكين أي عائلة، ولا ثروة، ولا نفوذ. بقاؤكِ معي لم يعد يخدم شيئاً." تردد صدى كلماته: "أنتِ لا تملكين أي شيء." انحفرت العبارة في أعمق طبقات كبريائها كوشم من نار. نعم، في نظره هي مجرد يتيمة ربّاها آل الحمد المحسوبون على الطبقة الوسطى بعد أن عثروا عليها، فتاة التقطها وتزوجها إرضاءً لوصية غامضة، ولم يدرك يوماً أن تلك اليتيمة الوديعة هي العقل المدبر الذي رسم أدق استراتيجيات صعوده المالي والسياسي. تنفست بهدوء جليدي أدهشه. "حسناً." رمش راشد بذهول طفيف أمام استسلامها المفاجئ، لكنه تنفس بارتياح ظاهري، ودفع القلم بين أصابعها. لم تمسك أمل بالقلم، بل مدت يدها الأخرى والتقطت هاتفها الشخصي المشفر ذو اللون الأسود الداكن الموضوع تحت وسادتها. ضغطت زراً مخصصاً لاتصال مباشر وسريع، ووضعت الهاتف على مكبر الصوت دون أن ترفع عينيها عن وجه زوجها. رن الهاتف رنة واحدة فقط قبل أن يأتي صوت رجالي عميق يفيض بالخشوع والولاء المطلق: "أمركِ يا سيدة (س)." ارتجف حاجب راشد الأيسر، ورمق الهاتف بنظرة استغراب عابرة، معتقداً أنها تتواصل مع إحدى معارفها من الجمعيات الخيرية أو صديقة قديمة. تحدثت أمل بنبرة جليدية مقتضبة، خالية من أي تردد: "أصدر الأمر التنفيذي فوراً: تفعيل خطة (غروب الشمس)." صمت الطرف الآخر لثانية كأنه يستوعب الزلزال، ثم أجاب بطاعة تامة: "علم ويُنفذ فوراً يا سيدتي." تابعت أمل وعيناها مثبتتان في عيني راشد المتسائلتين: "أوقفوا كل التمويلات الموجهة لمشروع (الفلك)، واسحبوا الغطاء التكنولوجي عن برنامج (نجم الخليج). وأبلغوا الإدارة المركزية بقطع كل أشكال الدعم الاستشاري واللوجستي عن جناح الشيخ راشد بن سلطان نهائياً ابتداءً من هذه اللحظة." "خلال نصف ساعة ستكون جميع الحسابات المشتركة والأنظمة تحت الصفر، سيدة (س)." أُغلق الخط بصوت نقرة حادة. وضع راشد يديه في جيبي ثوبه، وضاقت عيناه بسخرية حذرة: "ما هذه الخزعبلات والأسماء الرنانة التي تتحدثين عنها؟ تحاولين ممارسة ألاعيب الأطفال لتخيفيني؟" لم تجبه بكلمة واحدة. التقطت القلم الذهبي، وبحركة واحدة سريعة وحاسمة، خطت توقيعها الأنيق عند خانة الموافقة على الطلاق: (أمل العدواني). دفعت الورقة والقلم بعنف نحو صدره، لترتطم بهما وتستقر في يده: "أخذتَ ما تريد. والآن... اغرب عن وجهي." كانت هذه المرة الأولى التي تجرؤ فيها على التحدث معه بهذه الدونية والأمر المباشر. اشتعلت عيناه بالغضب، وقبض على الورقة حتى تجعدت أطرافها تحت ضغط أصابعه، وهمّ بالرد عليها وتأديبها على وقاحتها، لكن كبرياءه منعه من إطالة الجدال مع امرأة طلقها للتو. استدار وخرج بخطوات غاضبة، تاركاً إياها في سكون الغرفة القاتل. مشى راشد في الممر الرخامي نحو المصاعد وهو يعدل شماغه بعصبية، محاولاً طرد الشعور المزعج الذي زرعته في صدره نبرتها الأخيرة. مد يده ليضغط زر المصعد، لكن هاتفه الخاص باجتماعات الطوارئ اهتز بعنف كأنه لن يتوقف. سحب الهاتف وفتحه مجيباً بنفاذ صبر: "ما الأمر يا يوسف؟ ألستَ في غرفة العمليات الاقتصادية؟" جاءه صوت يوسف القحطاني، مستشاره الأول وأقرب رجالاته، لاهثاً ومرعوباً بطريقة لم يسمعها منه قط طوال عشر سنوات: "سمو الشيخ! الكارثة وقعت! لا أعلم كيف حدث هذا، لكن... لكن كل المشاريع السيادية الاستراتيجية انهارت في اللحظة ذاتها!" تجمدت قدما راشد فوق أرضية الممر: "ماذا تهذي؟ كيف انهارت؟" "سُحب التمويل الدولي فجأة من بنك التسويات! مهندسو الدعم التكنولوجي في مشروع (الفلك) شفروا الخوادم وانسحبوا بأمر مباشر!" كان صوت يوسف يبكي تقريباً وهو يصرخ: "والأدهى من ذلك... (المستشار س)! أرسل للتو إخطاراً رسمياً مشفراً ينهي به شراكته معك نهائياً ويسحب اعترافه بتمثيلك السياسي!" شحب وجه راشد حتى بات أبيض كالكفن، وارتخت أصابعه على الهاتف حتى كاد يسقط. التفت ببطء مروع نحو الممر الطويل، محدقاً في الباب الخشبي المغلق للجناح الذي غادره قبل دقائق. تذكر كلماتها المشفرة: "خطة غروب الشمس... مشروع الفلك... قطع الدعم عن الشيخ راشد..." همس لنفسه بصدمة شلت أطرافه: "لا... هذا مستحيل... لا يمكن أن تكون هي!"

هذا كل ما هو متاح حاليًا.

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 220 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 No.1
  2. الفصل 2الفصل 2 No.2
  3. الفصل 3الفصل 3 No.3

إصدارات جديدة