/0/30316/coverbig.jpg)
الفصل 3 No.3
كانت صالة "المجلس الأسود" الخاصة في فندق الريتز كارلتون بالرياض تغرق في ضوء خافت تكسره ثريات الكريستال المتدلية من السقوف العالية المزخرفة بالطراز الأندلسي الحديث. رائحة خشب العود المعتق ودخان السيجار الكوبي الفاخر كانت تملأ الأرجاء، بينما كانت النخبة السياسية والاقتصادية تتبادل الأحاديث بنبرات هامسة ومحسوبة.
جلست هيرمينا في ركن منزوٍ مع روان، واضعة ساقاً فوق الأخرى بثقة أرستقراطية هادئة. لم تعد هناك ذرة واحدة تشبه تلك المرأة التي كانت تنحني لتقديم القهوة لوالدة بارون في مناسبات الأعياد. فستانها الأحمر الجريء ذو الياقة العالية المغلقة والمعصمين الضيقين، مع قصة شعرها القصيرة، جذب أنظار معظم الحاضرين في الصالة الخاصة، رغم حشمة مظهرها الخارجي المتوافقة مع أسلوب السهرات الراقية.
"انظري إلى الساعة الحادية عشرة،" همست روان وهي ترتشف من فنجان الشاي الأخضر. "يبدو أن سمكة فاسدة قادمة نحونا."
التفتت هيرمينا بهدوء لترى شاباً ثلاثينياً يترنح بخطوات غير متزنة بفعل ما احتساه قبل دخوله، يرتدي ثوباً فخماً غير محكم الأزرار، وبيده كأس زجاجي. كان فهد، الابن الأصغر لإحدى العائلات الثرية المعروفة باستهتار أبنائها.
وقف فهد أمام طاولتهما، وركز عينيه الذابلتين على وجه هيرمينا بوقاحة جلية: "مساء الخير يا حلوة... الوجه جديد على الرياض. هل أنتِ وحدكِ؟ أنا فهد... ولا أعتقد أن هناك من يرفض مشاركتي هذه الطاولة الليلة."
ومد يده الخشنة بجرأة محاولاً وضعها مباشرة على كتف هيرمينا العاري من العباءة.
تحركت يد روان لردعه بغضب، لكن هيرمينا سبقتها بحركة عين واحدة جعلت روان تتراجع مبتسمة.
نظرت هيرمينا إلى فهد مباشرة، وقالت بصوت ناعم، رقراق، ومخيف في آن واحد: "هل يدك هذه مشمولة بتأمين شامل ضد الكسور والتشوهات الدائمة؟"
قهقه فهد بسخرية، ودفعه استهتاره للمضي قدماً: "أوه، شرسة أيضاً؟ هذا يعجبني أكـ..."
لم يُكمل جملته.
بسرعة تفوق قدرة العين المجردة على المتابعة، وبحركة خاطفة تتقنها النخبة في فنون الإخضاع العسكري، امتدت كف هيرمينا وقبضت على رسغ فهد قبل أن يلامس قماش فستانها بسنتيمتر واحد. لم تستخدم قوة جسدية هائلة، بل ضغطت بإبهامها على العصب الأوسط في مفصل يده مع لفة زاوية دائرية سريعة نحو الخارج.
سقط الكأس من يد فهد وتهشم على السجادة السميكة دون أن يصدر صوتاً عالياً، بينما انقطعت أنفاسه وخرجت من حنجرته صرخة مكتومة: "آآآغغغ!"
سقط فهد على ركبتيه فوراً تحت وطأة الألم الخارق الذي سرى في جهازه العصبي كالكهرباء، وتصبب العرق البارد على جبينه في ثوانٍ معدودة، بينما وجهه يزداد شحوباً كالموتى.
أمالت هيرمينا رأسها قليلاً، وظلت عيناها باردتين تماماً وهي تنظر إليه من مقعدها: "الأعصاب حساسة للغاية في هذه المنطقة يا سيد فهد. حركة إضافية بمقدار نصف بوصة، ولن تستطيع حمل ملعقة طعامك لبقية حياتك. هل أطلب لك سيارة إسعاف؟"
أفلتت معصمه فجأة، وتناولت منديلاً حريرياً من الطاولة ومسحت به أطراف أصابعها بهدوء، ثم ألقت به فوق صدره المرتجف.
تراجع فهد زاحفاً إلى الخلف وهو يمسك يده المصابة ويبكي بصمت من شدة الألم، بينما هرع اثنان من رفاقه لحمله وسحبه خارج الصالة في خزي مطلق، دون أن يجرؤ أحدهم على رفع عينه نحو هيرمينا.
على مسافة خمس طاولات فقط، تجمد بارون آل مونتويا في مقعده، وكوب العصير بيده معلق في الهواء. كانت عيناه جاحظتين وهو ينظر إلى هيرمينا.
"يا إلهي..." شهقت أريانا التي كانت تجلس إلى جانبه، وتصنعت الرعب وهي تلتصق بذراعه: "بارون... أليست هذه طليقتك؟ كيف تفعل هذا برجل في مكان عام؟ إنها... إنها تبدو وحشية للغاية!"
أما سارة آل مونتويا، شقيقة بارون الصغرى ذات النظرات الحاقدة واللسان السليط، فقد أطلقت ضحكة استهزاء متوترة: "أخي! انظر إلى هذه الفلاحة المنبوذة! لم يمر يومان على رميك لها في الشارع، حتى قصت شعرها وتزينت لتجلس في الفنادق وتتشاجر مع الرجال كأبناء الشوارع! لقد أثبتت للعالم كله كم هي ساقطة ومنحطة الأصل!"
احتقن وجه بارون بدم قاني، وبرزت عروق عنقه. لم يكن يسمع كلمات شقيقته، بل كان عقله يدور في دوامة مظلمة من الارتباك الشديد. المرأة التي عاشت معه ثلاث سنوات لم تكن ترفع صوتها حتى لو أهانها الخدم؛ كانت دائماً منكسرة، خفيضة البصر، تلبس السواد وتجلس في زوايا الغرف كشبح باهت. متى تعلمت هذه الحركة القتالية؟ من أين جاءت بهذه الهيبة القاتلة التي جعلت رجلاً ضخماً يركع تحت حذائها بلمسة إصبع؟
وقفت سارة بعنجهية: "سأذهب وأمسح بكرامتها الأرض أمام الجميع، لتعرف حجمها الطبيعي!"
"اجلسي مكانكِ!" صرخ بارون بصوت منخفض ومبحوح، وأمسك بذراع أخته بقوة آلمتها. شعر بغريزته أن أي احتكاك مع هيرمينا في هذه اللحظة لن يجلب لهم سوى الإذلال العلني.
في تلك اللحظة بالذات، التفتت هيرمينا برأسها ببطء نحو طاولتهم.
التقت عيناها بعيني بارون مباشرة.
لم تكن هناك ذرة حقد، ولا ومضة عتاب، بل نظرة خواء مطلقة ممزوجة باحتقار بارد يجعل الكيان يرتجف، وكأنها تنظر إلى ذبابة تحوم فوق سلة مهملات.
شعر بارون وكأن الهواء سُحب من رئتيه. حاولت سارة التحديق بها بوقاحة، لكن هيرمينا شاحت بوجهها متجاهلة وجودهم بالكامل، ووقفت قائلة لروان: "الهواء هنا أصبح ثقيلاً ومليئاً بالغبار، لنغادر."
مرت هيرمينا بجوار طاولتهم دون أن تلتفت إليهم بمقدار مليمتر واحد، تاركة خلفها أريانا وهي تعض شفتها غيظاً، وبارون وهو يغرق في بحر من الإهانة الصامتة التي لم يسبق له تذوقها في حياته.
في الركن المظلم والمحصن في شرفة الصالة العلوية، كان بريندان آل ريفاس يراقب المشهد عبر منظار كلاسيكي صغير، ثم أطلقه ضاحكاً وهو يلتفت نحو الرجل الجالس في الظل: "يا ساتر يا هارلاند! هل رأيت حركة المفصل تلك؟ هذه حركة خاصة بقوات النخبة السويسرية لمكافحة الإرهاب. زوجة بارون السابقة ليست ربة منزل عادية أبداً!"
لم يجب هارلاند فوراً. كان كوبه يستقر بين أصابعه الطويلة الثابتة، بينما كانت عيناه الرماديتان الحادتان تتابعان حركة هيرمينا الرشيقة وهي تغادر القاعة.
"بريندان،" قال هارلاند بصوت رخيم يحمل وزناً ثقيلاً: "تواصل مع استخباراتنا في جنيف. أريد كل ملف يربط هذه المرأة بالاسم القديم... 'الوردة'."
قائمة الفصول
المجموع: 210 فصول
/0/36062/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/30463/coverbig.jpg)
/0/29732/coverbig.jpg)
/0/29813/coverbig.jpg)
/0/31754/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)
/0/35216/coverbig.jpg)