تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 3 لم تنس

‫وفي تلك اللحظة، دوّى صوت سعال متكرر من المدخل.‬

‫إبراهيم، الذي وصفته مريم بالأب المحتضر، كان يستند إلى الإطار ويجر قدميه للأمام، مصممًا على ألا ينهار.

‫"هل أنتِ ليلى؟"‬ ‫اهتز صوته، لكن عينيه تألقتا بأمل هش وهو ينظر إليها.‬

‫وعندها، دفء غريب تدفق في صدر ليلى، تاركًا إياها مضطربة بطريقة لم تستطع تفسيرها.‬

‫هل كانت كل تلك القصص عن روابط العائلة صحيحة بالفعل؟‬

‫"أنا هي،" أجابت، وصوتها ثابت.‬

‫عند سماع جوابها، انهار ثبات إبراهيم، وانهمرت الدموع بحرية على وجنتيه.‬ ‫‫"لقد عدتِ إلى المنزل‬.‬ ‫‫هذا كل ما كنت أتمناه‬.‬ ‫مجرد وجودكِ هنا يكفيني."‬

‫وسط ذلك، خرجت فاطمة بهدوء من الفوضى، تحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا بين ذراعيها.‬ ‫‫"نورة، تعالي شاهدي... كل ما هنا لكِ."‬‬

‫وعندما نظرت ليلى داخل الصندوق، وجدت كنزًا من التذكارات — فستانًا ورديًا باهتًا يليق بأميرة صغيرة، وسترات محبوكة بالحب يدويًا، وعددًا من مشابك الشعر ما زالت ملفوفة ولم يمسها الزمن.

‫ثم وقف يوسف بجانبها، بصوت ناعم وعينين محمرتين، وقال: 'ليلى، لقد احتفظنا بهذه الهدايا لكل عيد ميلاد فاتكِ بعد رحيلكِ.' ‫أمي وأبي، ونحن جميعًا، حفظناها لكِ كل عام.‬ ‫وأخيرًا، يمكننا أن نعطيكِ إياها بأنفسنا."‬

‫فارتجفت يدها وهي تصل إلى فستان الأميرة، تلمس القماش الخشن بأطراف أصابعها.‬

‫الملمس جلب وخزة عاطفة عميقة جعلتها تكاد تنسى أن تتنفس.‬

‫كل هذا الوقت، لم تُنسَ.‬ ‫لقد كانوا دائمًا ينتظرون عودتها إلى المنزل.‬

‫"ليلى... ليلى، صغيرتي."‬ ‫قبض إبراهيم بيده على صدره بينما اجتاحه سعال عنيف، وتدفق الدم من شفتيه، ملطخًا الأرض.

‫لكن حتى مع الألم الذي لوى ملامحه، ارتسمت ابتسامة لطيفة على فمه.‬ ‫"لقد عدتِ إليّ يا ليلى.‬ ‫‫هذا كل ما كنت أحتاجه‬.‬ ‫يمكنني أن أرحل بسلام الآن."‬

‫"أبي!" اندفع يوسف للأمام، ممسكًا بإبراهيم وهو يترنح، والذعر يتدفق في صوته.‬ ‫"لا تستسلم!‬ ‫ابقَ معنا يا أبي!‬ ‫سأتصل لطلب المساعدة!‬ ‫عمر وخالد ليسا في المنزل بعد.‬ ‫نحن بحاجة إليك هنا!"‬

‫ومدفوعة بالغريزة، انحنت ليلى ولمست بأطراف أصابعها الدم القرمزي على الأرض.‬

‫ثم رفعت يدها، وقربتها لتشم سريعًا.‬

‫كان هذا سم العمر.‬ ‫قلة قليلة في العالم يمكن أن تتعرف عليه—وهي فعلت.‬ ‫كان قاتل، بطيء، مستحيل العلاج بمجرد أن يسيطر.‬ ‫لقد وصل إبراهيم إلى نهايته.‬

‫شخص ما انتظر سنوات لهذا،‬ ‫لكن من هو الذي يكره عائلة الحكيم بهذا العمق؟‬

‫ومع ذلك، لم يكن الوقت مناسبًا للبحث عن الإجابات،‬ ‫فاشتدت عينا ليلى بالعزم.‬

‫ثم وضعت إبراهيم برفق على ظهره، وبدون تردد، أخرجت مشرطًا من جيب مخفي عند خصرها.

‫عندها، حاول يوسف، في حالة من الذهول، التدخل. ‫"ليلى!‬ ‫هل فقدتِ عقلكِ؟‬ ‫ما الذي تفعلينه؟"‬

‫فهزت رأسها.‬ ‫"إذا كنتَ تريده أن يعيش، ثق بي.‬ ‫لن أدعه يموت هنا."‬

‫لم يكن هناك سبيل أن تخسر العائلة التي استعادتها للتو.‬

‫فانحنت ليلى على ركبة واحدة ومزقت قميص إبراهيم بحركة واحدة مدرّبة.‬

‫ثم تحرك مشرطها بدقة، لا يقترب من أي شيء حيوي، مفصلًا اللحم والعضلات ليكشف القلب الذي كان يكافح للاستمرار.‬

‫وبيدين سريعتين مدرّبتين، ضغطت بطرف المشرط على سلسلة نقاط دقيقة حول قلب إبراهيم.‬

‫وفي تلك اللحظة، تدفق دم كثيف داكن وانسكب في جداول بطيئة.‬

‫كل قطرة تخرج من جسده بدت وكأنها تجعل تنفسه أكثر هدوءًا قليلًا، والضغط في صدره يتلاشى تدريجيًا.

‫ثم مسحت ليلى نصلها، ورفعت إبراهيم بين ذراعيها وحملته مباشرة إلى أنظف غرفة نوم وجدتها.‬

‫تحركت بسرعة كبيرة، استغرقت عملية الإنقاذ كلها أقل من ستين ثانية.‬

‫للحظة، تجمد يوسف في مكانه، فمه مفتوح، غير قادر على استيعاب ما رآه للتو.‬

‫هل يمكن أن يكون هذا يحدث حقًا؟‬ ‫هل أنقذت ليلى والدهم للتو من حافة الموت؟‬

‫كان الأطباء المتخصصون في مدينة شفطول جميعًا قد قالوا إنه لا أمل.‬ ‫ومع ذلك، ها هي ليلى، المفقودة منذ عقدين، تنقذ حياة والدهم وكأن الأمر لم يكن أكثر من إجراء روتيني.‬

‫كيف كان هذا ممكنًا أصلًا؟‬

‫"كيف فعلتِ... ليلى، أنتِ... مذهلة،" تمتم يوسف، وصوته يرتجف بالرهبة.‬

‫وبمجرد أن استقر إبراهيم وأصبح وضعه ثابتًا، التفتت ليلى، والإرهاق مرسوم على وجهها. ‫"يوسف، أحتاج مكانًا لأستلقي.‬ ‫أنا منهكة."‬

‫وعندها، استفاق يوسف من شروده.‬ ‫"بالطبع!‬ ‫حالًا!"‬ ‫قادها عبر الممر وفتح باب غرفة مشرقة، نظيفة ومعتنى بها جيدًا.‬ ‫"هذه كانت دائمًا غرفتك يا ليلى.‬ ‫كنا نتأكد من تنظيفها كل يوم.‬ ارتاحي الآن. ‫يجب أن أتصل بعمر وخالد.‬ ‫سيكونان في غاية السعادة لسماع هذا!"‬

‫‫وفي تلك اللحظة، وقفت فاطمة عند المدخل، وعيناها ممتلئتان بالعاطفة،‬ ‫فابتسمت ليلى وأشارت إليها.‬ ‫‫"أمي، تعالي‬.‬ ‫لنتشارك السرير."‬

‫……‬

‫‫وفي هذه الأثناء، في زاوية مظلمة من نادٍ مميز في مدينة شفطول، جلس رياض النجار بهدوء، ونظرة باردة بعيدة في عينيه.‬‬

‫ثم اقتربت امرأة ترتدي ما يجذب الأنظار، وصوتها مليء بالجرأة.‬ ‫‫"السيد النجار، تبدو ضائعًا قليلًا بمفردك.‬ ‫‫هل ترغب في بعض الصحبة ومشروب؟"‬‬‬

‫فأطلق عليها رياض نظرة حادة.‬ ‫"اذهبي وأزعجي شخصًا آخر."‬

‫عندها، ضحك صديقه كريم هوارد ضحكة منخفضة من الطرف الآخر للطاولة. ‫"رياض، عليك أن تتعلم شيئًا أو اثنين عن المغازلة.‬ ‫هل أنت حقًا مخلص لخطيبتك الغامضة، ليلى الحكيم؟‬ ‫أنت لم تقابلها حتى يا رجل."‬

‫مجرد سماع اسمها جعل رياض يتوتر، والضيق يلمع على وجهه.‬ ‫"تلك الخطوبة ستنتهي غدًا.‬ ‫لقد انتهيت من ذلك."‬

‫فرفع كريم حاجبه، وابتسامته مرحة.‬ ‫"تريد إنهاء الأمر، ها؟‬ ‫هل تظن أن والدك سيبتسم ويدع الأمر يمر ببساطة؟"‬

‫‫"حين يتعلق الأمر بالزواج، سأقرر بنفسي الطريق الذي أسلكه.،" قال رياض، وصوته بارد وهو يتكئ للخلف على الأريكة،‬ ‫ثم انزلقت يده إلى الندبة على صدره، غارقًا في الذكريات.‬

‫قبل ثلاث سنوات، انهار كل شيء عند حدود بلاد الرافدين.‬ ‫محاصر من الأعداء، ينزف من جروح الرصاص، كان متأكدًا أنه لن يرى شروق شمس آخر.‬

‫ومن خلال ضباب الألم، تذكر يدي امرأة ثابتتين، ومشرطًا يلمع في الضوء الخافت، ينقذه من الموت.

‫وعندها، قاوم بشدة ليحافظ على تركيزه، ولمح فقط لمحة من وجهها قبل أن يأخذه الظلام.‬

‫وعندما استيقظ، كانت قد اختفت وكأنها لم توجد أبدًا.‬

‫منذ ذلك الحين، أطلق رياض كل الموارد التي تملكها عائلة النجار، باحثًا في كل زاوية من بلاد الرافدين.‬ ‫المرأة التي أنقذت حياته وأَسرت قلبه بقيت لغزًا.‬

‫لذا مهما كان الاتفاق الذي أبرمته عائلته مع عائلة الحكيم، كان يعرف ما يريد.‬

‫فقط المرأة التي أعادته من الموت يمكن أن تكون له حقًا.‬

هذا كل ما هو متاح حاليًا.

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 190 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 انا يوسف، اخوك!
  2. الفصل 2الفصل 2 انت مخطوبه لوريث عائله بيلي
  3. الفصل 3الفصل 3 لم تنس

إصدارات جديدة