تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 1 الست قلقا من ان تنزعج شادن؟

‫عندما دقت الساعة الثامنة، ازدادت الظلال كثافة في الشوارع، وزحف البرد بعضته القاسية بلا هوادة.‬

‫وكانت شادن تجلس وحيدة على طاولة الطعام، تقلب في هاتفها بملل.‬ ‫الأطباق أمامها بقيت بلا مساس، وقد تجمدت برودتها وفقدت بريقها الجذاب.‬

‫‫واقتربت خديجة جونسون، مدبرة المنزل، بحذر هادئ. ‫ ‫نادت: "السيّدة العوانس". ‫" اليوم ذكرى زواجكِ.‬ ‫أنا واثقة أن السيّد العوانس سيعود الليلة.‬ ‫ربما انشغل بأمر ما.‬ ‫دعيني أسخن الطعام لكِ. "‬

‫فهزت شادن رأسها بخفة نافية.‬ ‫" لا داعي.‬ ‫‫لقد تناول عشاءه في مكان آخر بالفعل. "‬‬

‫‫حدة ردها جعلت خديجة تتردد لحظة قبل أن يلمع الإدراك في عينيها.‬‬

‫‫في ثلاث سنوات من الزواج، عاشت شادن وزهير إيفانز حياة أشبه بحياة غرباء مهذبين منها إلى حياة زوجين. ‫وحلاوة عامهما الأول قد تلاشت منذ زمن، وحل محلها زيارات نادرة وصمت أكثر برودة.‬

‫بعد ذلك، تركت شادن طاولة الطعام خلفها وصعدت إلى الطابق العلوي لتستلقي على السرير.‬ ‫ثم اهتز هاتفها بلا توقف، وامتلأت الدردشة الجماعية بسيل من الرسائل الجديدة.‬

‫بدافع الفضول، نقرت بخفة لتفتح إحداها.‬

‫الصورة أظهرت زهير ممددًا بلا اكتراث على أريكة جلدية واسعة.‬ ‫ياقته مفتوحة تكشف خط عظام الترقوة، وأكمامه مطوية بلا اهتمام حتى المرفقين.‬ ‫وفي بساطة جلسته العفوية كان يكمن سحرٌ يكاد يكون خطِرًا.‬

‫حتى ميل رأسه ونظراته المثقلة بالجفون تحدثت عن استرخاء مترف.‬

‫وفي زاوية الصورة، امتدت يد رقيقة نحوه، تحمل كأس شراب مرفوعة في الهواء.‬ ‫كانت الإيماءة حميمة، كأنها نخب خاص له وحده.‬

‫‫فحبست شادن أنفاسها حين انزلقت نظراتها إلى المعصم. ‫اليد النحيلة كانت أنثوية بلا شك، وسوار الزمرد الذي تتحلّى به كان يلمع تحت الضوء – لقد كانت قطعة تعرفها جيدًا.

‫فذلك الإرث كان قد وُعد لها يومًا، كنزًا من عائلة العوانس.‬ ‫والآن يحيط بمعصم امرأة أخرى.‬

‫ثم اشتدت أصابعها حول الهاتف مع وصول رسالة جديدة.‬ ‫هذه المرة، كان مقطع فيديو.‬

‫فضغطت عليه دون تردد.‬

‫‫وانطلق صوت ناعم عبر السماعة، صوتٌ رقيق وعذب، ممزوج بلمسة مداعبة. ‫" أتيت مباشرة من المطار لتحتفل بعيد ميلادي.‬ ‫ألست قلقًا أن تنزعج شادن حين تعرف؟‬ ‫لماذا لا تدعوها أيضًا؟ "‬

‫وبنظرة استخفاف بسيطة، أطلق زهير ابتسامة ملتوية.‬ ‫" ألا تخشين أن تُفسد الأجواء؟"‬

‫‫فانتشر الضحك بين أفراد المجموعة. ‫‫سخر أحدهم قائلاً: "هي لم تنتمِ إلينا يومًا، ‫فمن الأفضل ألا تأتي."

‫وأضاف آخر بلهجة ساخرة: " زهير، متى كانت آخر مرة رأيت فيها شادن؟‬ ‫ربما تمر بجوارها في الشارع دون أن تتعرف عليها. "‬

‫فأدار زهير النبيذ الأحمر في كأسه، ونبرته خفيفة وباردة.‬ ‫" أراها؟‬ ‫نحن لسنا قريبين بما يكفي لنحافظ على التواصل. "‬

‫‫فجأة، اخترق صوتٌ دويَّ الأحاديث: ‫"مهلاً، ألستما زوجين؟"

‫فضحك زهير بسخرية منخفضة، وكأنه لا يصدق سخافة ما سمعه.‬ ‫"ذلك الزواج مثل زجاجة نبيذ فاسدة، الأفضل أن تُرمى."‬

‫‫ثم تبع ذلك صوتُ ضياء دايل الناعم، ‫ممزوجًا بلمحة اعتذار. ‫" حسنًا… لن ندعوها هذه المرة.‬ ‫سأعوضها في المرة القادمة. "‬

‫‫ثم أنزلت شادن هاتفها، بينما تشدّ المرارة حبلًا عميقًا في أحشائها.‬

‫يا لها من حركة تافهة صغيرة!‬ ‫كانوا جميعًا يجلسون في غرفة خاصة، ومع ذلك اختاروا الدردشة في المجموعة، فقط ليتأكدوا أنها سترى.‬

‫معظم الأشخاص في تلك المجموعة كانوا من دائرة زهير الاجتماعية.‬ ‫وكانت ضياء واحدة من النساء القليلات هناك.

‫والسبب الوحيد لانضمام شادن هو أن ضياء هي من أضافتها.‬

‫نادراً ما كانت تتحدث في الدردشة، لكن كل جديد عن زهير كان يصلها على أي حال.‬ ‫وأينما ذهب، لم تكن ضياء بعيدة عنه.‬

‫وبعد ساعات، ومع غرق المنزل في الصمت، تمددت شادن على سريرها، تعبث بخاتم زواجها حول إصبعها.‬

‫فتسلل المعدن البارد إلى بشرتها، غاص أعمق، حتى وصل الصقيع إلى أرق جزء في قلبها.‬

‫ثم استقر الثقل في صدرها، ليس ألمًا تمامًا، لكنه كان كافيًا ليجعل كل نفس متثاقلًا.‬

‫وبعدها شعرت برغبة غير متوقعة في البكاء ترتفع في حلقها، وجفونها ارتجفت برفق في الظلام.‬

‫‫عامان من اللامبالاة والبرود جعلاها لا تكاد تشعر بشيء، ومع ذلك انبثق ألمٌ خفيّ من مكانٍ ما دفين، وتمدد ببطء حتى ملأ قلبها كله.

‫فاستدارت على جانبها، ودفنت وجهها عميقًا في الوسادة.‬

‫‫ولامس الخاتم خدَّها، فشعرت ببرودة ترتعش فيه، تعكس صدى برودة جسد زهير البعيد، ذلك الهدوء اللامبالي المشابه لضوء القمر الشتوي المتسلّل عبر النافذة.

‫وشاركتها الغرفة صمتها، وكأن الزمن ذاته توقّف عن الجريان.‬

‫ثم أغمضت عينيها وأصغت إلى الخفقان المنتظم لقلبها، وكل نبضة كانت واضحة وقاسية في مواجهة الصمت.‬

‫هي وزهير كانا متشابكين في حياة بعضهما منذ الطفولة، كان طرقهما قد تقاطعت قبل أن يفهما ثقل الرابط بينهما.‬

‫وحين كانت في الرابعة عشرة، انهار كل ما عرفته في لحظة.‬ ‫توفي والداها في حادث سيارة مروع، تاركين خلفهما طفلة مرتبطة بثروة باسمها.‬ ‫والكبار الذين كان من المفترض أن يحمونها تحولوا إلى نسور بين ليلة وضحاها.‬

‫في الجنازة، لم يحزن أقاربها، بل تشاجروا.‬ ‫وارتفعت الأصوات إلى صراخ، ثم تطايرت اللكمات، وانتهى الشجار بأضواء الشرطة اللامعة ودماء ملطخة على ثياب الحداد السوداء.‬

‫فوقفت على الجانب، جسد صغير يرتجف من الخوف، وعيناها متسعتان تلمعان بدموع لم تُذرف.‬ ‫وكان العجز قد التصق بها كجلدٍ ثانٍ.‬

‫‫‫وفي تلك اللحظة، تدخّلت حفيظة العوانس، جدة زهير.‬ ‫كانت قد خففت الشفقة ملامحها الصارمة، ففتحت ذراعيها للفتاة الخائفة.‬

‫‫لم تُوقع أي وثائق، ولم يُرتب تبنٍّ رسمي، بل أُدرجت شادن في عائلة العوانس كضيفة هشة لم تنتمِ يومًا بالكامل.

‫تلك السنوات الأولى تركت أثرها.‬ ‫فكبرت لتصبح طفلة هادئة حذرة، مدركة دومًا أنها تعيش على لطف مستعار.‬

في المدرسة، كانت الهمسات تلاحقها في الممرات. ‫والأصوات القاسية الطفولية كانت تحب تذكيرها بما تعرفه جيدًا، أنها الفتاة اليتيمة.‬

‫وزهير كان من تدخل حينها، طارد المتنمرين بلا تردد ووقف بثبات إلى جانبها.‬

‫تحت حمايته الهادئة، بدأت شروخ قلبها الهش تلتئم، ببطء لكن بثبات.‬

‫وفي مكان ما على الطريق، تعمقت مشاعرها نحوه حتى تجاوزت قدرتها على التحكم بها.‬

‫لكن لإدراكها بالمسافة بين عالميهما، أخفت تلك المشاعر بعيدًا حيث لا يراها أحد.‬

‫وقبل ثلاث سنوات، مرضت حفيظة مرضًا شديدًا.‬ ‫واعترفت أن أكبر مخاوفها كان مستقبل شادن، ورغم اعتراض العائلة، رتبت زواج شادن من زهير.‬

‫حينها، غمرت السعادة شادن.‬

‫فقد كان شبابها دائمًا يدور حول زهير—كان لطيفًا، متألقًا، مشرقًا، وطيبًا بلا حدود معها.‬ ‫كيف لا تتأثر؟‬ ‫كيف لا تحبه؟‬

‫وبعد زواجهما، زاد لطفه تجاهها عمقًا.‬

‫أخذها إلى مضيق شهير، حيث وقفا معًا عند الفجر، يلفهما الصمت بينما الضباب الصباحي ينساب فوق الماء كستار ناعم.‬ ‫سافروا إلى المرتفعات في بلدٍ آخر لمشاهدة تفتح زهرة الخلنج، متجولين لساعات في الأراضي البرية الشاسعة المعاتية الرياح، التي تكسوها ألوان بنفسجية.‬

‫وعندما بدأ المطر يتساقط عند الغروب، رفع معطفه الواقي فوق رأسها، تاركًا الرذاذ يبلل كتفيه بدلًا عنها.‬

‫وعند عودتهما إلى النزل، اشتعل الموقد بالحطب المتقد.‬ ‫ثم جثا أمام النار، يمسح الطين عن حذائها بعناية، بينما الضوء الذهبي يتلألأ على ملامحه، يسطع ويخفت مع ألسنة اللهب.‬

‫ذلك العام الأول بدا أشبه بالحلم—رقيقًا، دافئًا بشكل لا يُصدق—حتى أن شادن كلما تذكرتْه الآن، كان الجرح يتعمق، ويجعل الحاضر أكثر قسوة.‬

‫قبل أن تصبح السيّدة العوانس، كانت قد سمعت همسات عن عائلة الدايل وهي ترتب تحالف زواج مع عائلة العوانس.‬ ‫وكانت ضياء تقريبًا تعيش في قصر عائلة العوانس آنذاك، تقضي أيامًا كاملة في غرفة زهير دون أن يعترض أحد.‬

‫ثم، وكأن القدر غيّر مساره، سافرت ضياء إلى الخارج، واختفى الزواج المرتب من الأحاديث وكأنه لم يكن موجودًا قط.‬

‫‫تلك الذكرى انتزعت ابتسامة ساخرة حزينة من شفتي شادن.

‫فكل شيء بدأ يتفكك بعد وفاة حفيظة.‬ ‫تغيّر زهير بين ليلة وضحاها، اختفى دفؤه بلا أثر، وابتعدا عن بعضهما حتى صارا كغريبين يعيشان تحت سقف واحد.‬

هل تريد متابعة القراءة؟

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 223 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 الست قلقا من ان تنزعج شادن؟
  2. الفصل 2الفصل 2 الشعور بالارهاق
  3. الفصل 3الفصل 3 لا تفسدي الامر

إصدارات جديدة