تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 2 الشعور بالارهاق

‫ربما بدأ الأمر منذ عودة ضياء.‬

‫‫‫ذكرى تلك الليلة ما زالت حادة، حيث عاد زهير مترنحًا إلى المنزل بعد منتصف الليل تفوح منه رائحة الكحول.

‫ومنذ ذلك الحين، أصبحت زياراته إلى منزلهما المشترك نادرة.‬

‫وفي العمل، لم تتقاطع طرقهما إلا عرضًا، واقتصر تواصلهما على إيماءات سريعة.‬ ‫‫حتى كلمة واحدة بينهما بدت ترفًا بذاته، وكأن الرابط الذي جمعهما قد تفكك بصمت.

‫وذلك جعل موجة من الإرهاق تجتاح شادن.‬

‫أي معنى بقي في زواج كهذا؟‬ ‫البقاء معًا كان فقط يؤذي الثلاثة جميعًا.‬

‫‫فقامت معتدلة الجلوس، وهي تشد أصابعها على الهاتف ل تتصل بزهير.

‫رن الخط طويلًا بشكل مؤلم قبل أن يجيب أحدهم أخيرًا.‬ ‫لكن الصوت الذي وصل لم يكن صوت زهير.‬ ‫بل كان صوت ضياء.‬

‫‫تحدثت بنعومة، لكن نبرة باردة تخللت كلماتها.

‫"هل أنتِ شادن؟" سألت بنبرة منخفضة محسوبة.‬

‫فارتجفت أصابع شادن بشدة وهي تشد قبضتها على الهاتف.‬ ‫احتاجت إلى نفس قبل أن تجبر نفسها على قول ثابت: "نعم."‬

‫" زهير يستحم الآن.‬ ‫سأخبره أن يعاود الاتصال بكِ عندما ينتهي. "‬

‫بشكل ما، تمكنت شادن من منع صوتها من الانكسار.‬ ‫‫وعندما تكلمت أخيرًا، خرج صوتها متزنًا وباردًا إلى حد ما. "لا داعي."

‫ثم انقطع الخط بصوت خافت.‬

‫كانت قد أمسكت الهاتف لتتحدث عن الطلاق، لكنها في أعماقها كانت تعرف أنه لن يعاود الاتصال بها.‬ ليس بعد الآن.

‫‫بعد لحظة صمت، أخرجت شادن زفيرًا بطيئًا ثم اتصلت بمحاميها، طالبة منه إعداد أوراق الطلاق.‬

‫عامان من هذا الألم البارد قد فرغاها من الداخل.‬

‫وعودة ضياء جعلت الحقيقة أكثر وضوحًا.‬ ‫لقد حان الوقت لإنهاء هذا الزواج وتحرير نفسها أخيرًا.‬

‫……‬

‫تناولت شادن دواء الأرق وغرقت في نوم ثقيل مليء بالأحلام.‬

‫‫وبين اليقظة والنوم، أحست شعورًا غامضًا بغوص المرتبة، كأن أحدهم انزلق تحت الأغطية.

‫‫بعد لحظة، أحاط بها عناق بارد لكنه مألوف لدرجة الألم.

‫‫ثم لامست شفاه ناعمة جبينها، فانسابت إلى وجنتيها، وأخيرًا التقت بفمها في قبلة بطيئة رقيقة.‬

‫الإحساس حمل دفئًا لم تشعر به منذ زمن طويل، دفء يشبه زهير الذي كانت تعرفه.‬

‫لذا عقلها حاول التمسك باليقظة.‬ ‫كانت تتوق لترى إن كان هذا حقيقيًا أم مجرد حلم قاسٍ آخر، لكن جسدها رفض الطاعة.‬ ‫‫ثم ابتلعها الظلام مجددًا، تاركًا إياها محاصرة في تلك الشرنقة الضبابية.

‫وعندما تحركت في الصباح التالي، امتدت يدها غريزيًا نحو الفراغ بجانبها.‬

‫كانت الملاءة باردة.‬

‫‫فارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة حزينة رقيقة ومريرة، بينما ملأ الصمت الغرفة.

‫من الواضح أن ما شعرت به الليلة الماضية لم يكن سوى حلم.‬

‫وكان يوم الأحد عطلة من العمل، فظلت ملفوفةً في الأغطية لبعض الوقت، تاركةً الصمت ينساب حولها.‬

‫وعندما نزلت أخيرًا إلى الطابق السفلي، كانت الساعة تقترب من التاسعة.‬

‫وبالقرب من النافذة، جلس زهير على طاولة الطعام، يغمره ضوء الشمس الناعم.‬ ‫ضوء الصباح نحت الخطوط الدقيقة لجسده، محددًا إياه بهدوء ساكن.‬ ‫ياقته كانت مفتوحة قليلًا، تكشف انحناءة رقبته الأنيقة ولمحة باهتة من عظام ترقوته.‬

‫رأسه كان منحنٍ قليلًا، وجفونه تلقي ظلالًا خفيفة تحت عينيه.‬ ‫ويد واحدة استندت بكسل على حافة المفرش الأبيض الناصع، أصابع طويلة وقوية، بينما الأخرى أمسكت بكوب بورسلين رقيق.‬ ‫وكانت تتصاعد خيوط رقيقة من البخار منه، تتماوج في الهواء المشمس.‬

‫لم تتوقع شادن أن يظهر فجأة من العدم.‬

‫فاجأها الأمر لدرجة أنها عجزت عن الكلام، غير متأكدة كيف تقرب المسافة التي نمت بينهما.‬

‫وبينما كانت تحاول صياغة شيء لتقوله، اخترق صوت خديجة المرح الصمت.‬ ‫" صباح الخير، السيّدة العوانس!‬ ‫تفضلي لتناول الإفطار. "‬

‫عند سماع الصوت، رفع زهير رأسه نحو شادن.‬

‫‫فتلاقت نظراتهما للحظة قصيرة وهشة، وكانت عيناه باردتين غامضتين، ثم أشاح بوجهه وكأن وجودها لا يعني شيئًا.

‫‫وكانت قد تدفقت أشعة الشمس عبر النافذة، تزين حافة ملامحه بلون ذهبي ناعم.‬‬ ‫‫وضوء الصباح المنعكس على جفونه المنخفضة جعله يبدو شبه ملائكي، وكأنه ينتمي لعالم آخر تمامًا.

‫جلس بأناقة طبيعية، هيئة منحوتة في السكون، يلفه هدوء لم تعد قادرة على بلوغه.‬

‫نزلت شادن الدرج بخطوات غير مستعجلة.‬

‫ثم جلست في مقعدها، تحرك العصيدة بلامبالاة، دون أن تقول شيئًا لزهير.‬

‫فتصاعد البخار ملتفًا في الضوء الباهت، يلين حواف كل شيء أمام عينيها.‬

‫كانت غرفة الطعام غارقة في صمت شبه كامل، لا يكسره سوى طنين خافت للأواني المعدنية وتكتكة منتظمة لساعة الحائط.‬

‫‫"هل يزعجك شيء؟" اخترق صوت زهير الصمتَ باردًا ولا مباليًا.

‫فتوقفت يد شادن حول الملعقة.‬

‫وعندما رفعت نظرها، رأت أصابعه الطويلة تقلّب مجلة مالية لامعة.‬ ‫غلافها كان يحمل صورة له في برج اللؤلؤ الليلة الماضية، يرفع كأسًا في احتفال عيد ميلاد ضياء.‬

‫‫غير أن اليوم نفسه كان أيضًا ذكرى زواجهما الثالثة.

هل تريد متابعة القراءة؟

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 223 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 الست قلقا من ان تنزعج شادن؟
  2. الفصل 2الفصل 2 الشعور بالارهاق
  3. الفصل 3الفصل 3 لا تفسدي الامر

إصدارات جديدة