/0/29732/coverbig.jpg)
الفصل 2 No.2
توقفت سيارة الأجرة الفضية المتواضعة أمام البوابات الحديدية المزخرفة لقصر آل القادري في حي حطين الراقي.
نزلت نورة بهدوء، دافعة ثمن الرحلة للسائق، ووقفت لبرهة تتأمل الواجهة الرخامية البيضاء والأعمدة الضخمة التي تحاكي القصور الكلاسيكية. عاشت بين هذه الجدران ثلاث سنوات كغريبة، تحفظ تفاصيل المكان لكنها لم تشعر يوماً بدفء الانتماء إليه.
سارت في الممر الحجري الطويل المؤدي إلى الباب الجانبي، تجر خلفها حقيبة سفر قماشية صغيرة مهترئة الأطراف. ما إن وطئت قدماها الصالة الرئيسية ذات الأرضيات الرخامية الإيطالية اللامعة حتى توقفت الخطوات على وقع صوت ارتطام فنجان الخزف بصحنه الزجاجي.
كانت لطيفة آل القادري، والدة سلطان، تجلس في صدر الصالة فوق أريكة مذهبة، وإلى جوارها ابنتها جواهر التي كانت تفرك أظافرها المطلية ببرود. أمامهما دلة القهوة العربية المصنوعة من الفضة الخالصة، وفناجيل مصفوفة بعناية، كأنهما كانتا في انتظار هذا المشهد تحديداً.
"أوه، يبدو أن المطلقة قد عادت لتلملم بقاياها،" قالت لطيفة بنبرة يقطر منها السم، وهي تعدل نظارتها الطبية وتنظر إلى نورة من أعلى إلى أسفل بنظرة احتقار معلنة.
ضحكت جواهر ضحكة متكلفة، وقالت بصوت متهكم: "كنت أظن أن لديكِ ذرة من كبرياء تمنعكِ من تدنيس هذا البيت مرة أخرى يا نورة. لكن على ما يبدو، الخروج من حياة العز ليس بالأمر السهل على أمثالك."
تجاهلتهما نورة تماماً، ومشت باتجاه الدرج الحلزوني لتصعد إلى غرفتها السابقة لتأخذ ما تبقى من أغراضها الشخصية. هذا التجاهل التام أخرج لطيفة عن طورها، فانتفضت واقفة من مكانها، وصرخت آمرة الحراس المتمركزين عند المداخل: "استوقفوها! لا تدعوها تخطو خطوة واحدة للأعلى!"
في لمح البصر، تقدم اثنان من الحراس ذوي البنية الضخمة واعترضا طريق نورة عند أسفل الدرج.
التفتت نورة ببطء شديد، وواجهت المرأة العجوز بعينين باردتين، وقالت بهدوء يحمل سلطة فطرية: "ما معنى هذا التصرف يا خالة لطيفة؟ جئت لآخذ أوراقي الخاصة وكتبي فقط، ولن أبقى في هذا البيت دقيقة واحدة إضافية."
"خالة؟ لا يشرفني أن تناديني بهذا الاسم بعد اليوم!" صاحت لطيفة وهي تقترب منها بخطوات متشنجة، وتلوح بيديها المحملتين بالأساور الماسية، "قبل أن تخرجي من هذا القصر وتأخذي ما تدعين أنها أغراضكِ، علينا تفتيش هذه الحقيبة وذلك الكيس الذي بيدك. لقد اختفى عقد الزمرد الكولومبي الخاص بي هذا الصباح، ذلك الذي تبلغ قيمته خمسة ملايين ريال. والقصر لم يدخله غريب سوى السائقين... وأنتِ!"
شهقت جواهر بتمثيل مسرحي رديء، واضعة يدها على فمها: "يا إلهي يا أمي! هل تظنين أنها تجرأت على سرقة إرث العائلة؟ بالطبع، من عاشت الحرمان لا يمكنها مقاومة رؤية حجر كريم بتلك القيمة!"
بدأ الخدم الفلبينيون والعرب المتواجدون في أطراف الصالة يتهامسون بأعين متسعة، وتجمعت النظرات الفضولية والشماتة حول نورة. كانت الدائرة تضيق حولها، في محاولة مدروسة لكسرها وإذلالها قبل طردها نهائياً، لتخرج من هذا الحي وهي تحمل وصمة العار والسرقة فوق وصمة الطلاق.
"افتحي الحقيبة بنفسك، أو سآمر الحراس بتمزيقها وتفتيشكِ ذاتياً حتى نضمن ألا تخرجي وبحوزتكِ ما ليس لك،" هددت لطيفة وهي ترفع ذقنها بغرور، "وإذا ركعتِ الآن واعترفتِ بمكان العقد، قد يتنازل سلطان عن إبلاغ الشرطة تقديراً للسنوات التي قضيتِها في خدمته."
نظرت نورة إلى الوجوه المحيطة بها. رأت الجشع المتقنع بالثراء، والغل المتستر خلف الألقاب العائلية. انمحت من داخلها آخر ذرة شفقة تجاه هذه الأسرة.
"تفتيش ذاتي؟" نطقت نورة بالكلمة بصوت هادئ، لكنه كان كافياً لإسكات الصالة بأكملها، "يبدو أنكِ نسيتِ القوانين التي تحكم هذا البلد يا لطيفة هانم. لكنني سأريحكِ من عناء البحث والتلفيق."
سحبت نورة حقيبتها القماشية إلى منتصف الصالة، وسحبت السحاب بضغطة واحدة، ثم قلبتها رأساً على عقب أمام الجميع.
تناثرت المحتويات فوق الرخام: بضع عباءات قطنية قديمة، مذكرات ورقية ذات غلاف جلدي مهترئ، وثلاثة مجلدات ضخمة في علم الجينات والكيمياء الحيوية باللغة الإنجليزية، وعلبة مخملية صغيرة مستطيلة.
اندفعت جواهر كالصقر نحو العلبة المخملية، وفتحتها بلهفة وهي تصرخ: "ها هي! هنا وضعت الزمرد بالتأكيد!"
لكن العلبة كانت فارغة تماماً، باستثناء خاتم فضي رفيع لا تتجاوز قيمته مئة ريال.
"أين هو؟ أين خبأتِ العقد أيتها السارقة؟" صرخت جواهر بحنق، وهي ترمي العلبة الفارغة على الأرض بازدراء.
التفتت لطيفة نحو الحراس بنظرة مسمومة: "أمسكوا بها وفتشوا ثيابها! لن تغادر دون أن نسترد العقد!"
تردد الحراس وتقدموا خطوة بحرج بالغ؛ فالاعتداء الجسدي على امرأة وتفتيشها من قبل رجال في الرياض أمر ينطوي على عواقب وخيمة، لكن سطوة سيدة القصر كانت ترعبهم.
وقبل أن تمتد أي يد نحوها، أطلقت نورة ضحكة قصيرة، ضحكة خفيضة باردة نزلت على رؤوسهم كصاعقة مفاجئة.
مدت يدها إلى داخل جيب عباءتها العميقة، وأخرجت علبة جلدية داكنة مختومة بشعار صائغ شهير في باريس. فتحت الغطاء بحركة بطيئة متقنة.
في الداخل، تلألأ عقد الزمرد الأخضر ببريقه الأخاذ، عاكساً أضواء الثريا الكريستالية الضخمة المعلقة في سقف القصر. كتم الجميع أنفاسهم، وارتسمت نظرة جشع محمومة في عيني لطيفة وابنتها.
"أرأيتِ؟!" صرخت جواهر وهي تمد يدها لتخطف العلبة، "لقد سرقته حقاً! ها هو الدليل أمام الجميع!"
حركت نورة معصمها بخفة مبتعدة عن متناول يد جواهر. التقطت العقد من وسادته الحريرية بأصابعها المجردة، ورفعته في الهواء. كان الحجر الرئيسي يتدلى كقطرة ماء خضراء صافية، تحيط بها مئات الأحجار الماسية الصغيرة.
"هذا العقد،" قالت نورة بنبرة واضحة اخترقت الصمت المطبق، "كان هدية من عميد عائلتكم الراحل، جد سلطان، في ليلة زواجي قبل ثلاث سنوات. سجله في وثيقة النكاح كهبة خاصة وغير مشروطة، مما يجعله ملكيتي الخاصة والمطلقة بحكم الشرع والنظام."
تغير لون وجه لطيفة إلى الحمرة القانية: "أنتِ تكذبين! هذا من مجوهرات آل القادري ولن تأخذيه معكِ يا ابنة آل حكيم المطرودة!"
"لا تقلقي،" ابتسمت نورة ابتسامة قاطعة كالسكين، ونظرت إلى العقد المعلق بين أصابعها بنفور خالص، "كنت أنوي إعادته اليوم على أي حال. لأنني ببساطة، أراه قبيحاً... ومقززاً، تماماً كالأيدي التي صنعته، والبيت الذي ينسب إليه."
وقبل أن يستوعب أي شخص في الصالة مغزى كلماتها، رفعت نورة يدها إلى مستوى كتفها، ثم أطلقت العقد في الهواء بحركة حرة ولا مبالية.
طفا الزمرد لثانية في الفضاء، ثم هوى بقوة ليرتطم بالأرضية الرخامية القاسية، مصدراً صوتاً حاداً تشظت إثره بعض الماسات الصغيرة، واستقر الحجر الأخضر تحت أقدام لطيفة كقطعة خردة لا قيمة لها.
قائمة الفصول
المجموع: 220 فصلاً
/0/36063/coverbig.jpg)
/0/36062/coverbig.jpg)
/0/32681/coverbig.jpg)
/0/35216/coverbig.jpg)
/0/35233/coverbig.jpg)
/0/30939/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)