/0/30939/coverbig.jpg)
الفصل 3 No.3
سقط العقد، ومعه سقطت هيبة العائلة المصطنعة في ذلك الرخام البارد.
تردد صدى ارتطام المعدن الثمين بالأرض كطلقة نارية في أرجاء الصالة. شحب وجه لطيفة وتراجعت خطوة إلى الوراء وكأن الحجر الملقى قنبلة موقوتة، بينما أطلقت جواهر صرخة هستيرية وانحنت على ركبتيها بجنون تجمع الأحجار المتناثرة، وهي تصرخ بصوت مبحوح: "أنتِ مجنونة! مجنونة رسمياً! كيف تجرئين على إلقاء خمسة ملايين ريال هكذا؟!"
"أنا لست مجنونة يا جواهر،" قالت نورة، وكان صوتها ينزل عليهم بهدوء قاتل، "أنا فقط توقفت عن التمثيل."
وقفت نورة بكامل قامتها، متخلصة من تلك الانحناءة الهادئة التي لازمتها طوال ثلاث سنوات. تحولت ملامحها المستكينة فجأة إلى ملامح امرأة أخرى تماماً؛ امرأة تملك حضوراً مهيباً وعينين تشتعلان بسلطة لم يسبق لأحد في هذا القصر أن رآها فيها.
نظرت إلى لطيفة التي كانت ترتجف من فرط الغيظ، وقالت بلهجة آمرة: "ثلاث سنوات، وأنا أتحمل تفاهاتكما، وجشعكما، وسوء ظنكما. كنت أراقب كيف تحاولان إشباع نقائصكما بمحاولة إذلالي، وظننتما أن صمتي كان جهلاً أو عجزاً. كنت أتحمل فقط لأنني قطعت عهداً بأن أحافظ على هذا البيت إلى أن تنتهي مدتي فيه. أما اليوم، فقد انقضى العهد."
"اصمتي أيتها الوقحة!" صاحت لطيفة وهي ترفع إصبعها المرتعش في وجه نورة، "أنتِ ناكرة للجميل! من أين لكِ هذا التكبر وأنتِ لا تملكين ريالاً واحداً باسمك؟ سأتصل بالشرطة الآن لتقضي ليلتكِ في التوقيف بتهمة إتلاف الممتلكات والتعدي!"
"جربي أن تفعلي ذلك،" خطت نورة خطوة واحدة باتجاه لطيفة، فجعلت المرأة العجوز تتراجع خطوتين بغريزة الخوف، "جربي أن تطلبي الشرطة، لأطلب بدوري فحص كاميرات المراقبة، وأبرز تقرير الملكية الموثق للعقد، وأرفع دعوى تشهير واحتجاز غير قانوني ضدكِ وضد ابنتكِ وضد هؤلاء الحراس. القانون في الرياض لا يحمي الغطرسة يا سيدة لطيفة، وأنا لم أعد زوجة ابنكِ التي تطلب الستر لتتفادى الفضائح... أنا الآن مواطنة حرة تماماً من أي التزام تجاهكم."
تلعثمت لطيفة، والتفتت إلى الحراس تصرخ فيهم: "أخرجوها! أخرجوها فوراً من هذا القصر!"
لكن نورة لم تمنح الحراس فرصة للتحرك. انحنت بجذعها بهدوء، والتقطت فقط مجلداتها الطبية الثلاثة ودفتر مذكراتها، تاركة بقية ملابسها الرخيصة وحقيبتها الممزقة ملقاة فوق الرخام إلى جوار أجزاء العقد.
وضعت الكتب في حقيبة يدها الجلدية الأنيقة التي استعادتها، ونظرت إلى لطيفة للمرة الأخيرة، وقالت ببرود شديد: "أخبري سلطان، أن كل ما عرضه عليّ في مكتبه من فيلا وسيارات ونفقات، لا يعنيني ولا يشرفني قبوله. فكل ما يمت لآل القادري بصلة... أصبح يثير اشمئزازي."
استدارت ومشت نحو البوابة الرئيسية للقصر. لم يجرؤ حارس واحد على اعتراض طريقها. كانت خطواتها الواثقة تدك الأرض دكاً، وعباءتها تتهادى حولها كراية نصر لا ككساء انكسار.
انفتحت البوابة الضخمة أمامها، وخرجت إلى الشمس الساطعة، تاركة وراءها صراخ جواهر التي كانت تندب حظ العقد، وانهيار لطيفة التي سقطت فوق الأريكة تتنفس بصعوبة بالغة من هول الإهانة التي لم تتلقَّ مثلها طوال حياتها.
"ألو... سلطان؟" كانت لطيفة تتحدث في هاتفها بصوت يرتجف بالدموع والغضب، بعد أن طلبت رقم ابنها، "الحق بي يا بني! لقد أهانتنا تلك المتوحشة في وسط قصرنا! رمت العقد وكسرته وتطاولت عليّ أمام الخدم... لقد جن جنونها تماماً!"
على الطرف الآخر، كان صوت سلطان يأتي عبر مكبر الصوت في سيارته وهو في طريقه للمستشفى: "أمي، أرجوكِ، ألم نتفق على إنهاء الأمر بهدوء؟ لقد وقعت على الطلاق وانتهى الأمر، ولم تعد تهمنا في شيء. ركزي الآن على استقبال حياة، فهي في حالة صحية حرجة."
"ولكنها أهانتني يا سلطان!" صرخت أمه، لكن الخط كان قد انقطع بالفعل.
في تلك الأثناء، كانت نورة تقف على الرصيف الخارجي للشارع العريض المليء بالنخيل، بعيداً عن أسوار القصر ببضعة أمتار. تنفست هواء الرياض النقي بعمق، وكأنها تستنشق الأكسجين للمرة الأولى منذ ستة وثلاثين شهراً.
ألقت بنظارتها البسيطة في سلة المهملات المجاورة للرصيف.
في تلك اللحظة بالذات، توقفت عند حافة الطريق سيارة لكزس سوداء فاحمة، مصفحة بالكامل، وبزجاج داكن يحجب كل ما بداخله.
انفتح الباب الخلفي للسيارة تلقائياً، ونزل منها السائق وهو يرتدي بزة رسمية داكنة وقفازات بيضاء، ثم انحنى باحترام عميق أمامها وهو يقول بصوت مسموع وواضح: "حمداً لله على سلامتكِ يا دكتورة. الآنسة مها والفريق بانتظاركِ في الموقع المحدد."
ابتسمت نورة نصف ابتسامة حقيقية للمرة الأولى منذ سنوات، وصعدت إلى المقعد الخلفي الوثير دون تردد. انغلق الباب الثقيل بعزل صوتي تام، وانطلقت السيارة بهدوء وسرعة خارقة، مبتلعة المسافات نحو غرب العاصمة.
قائمة الفصول
المجموع: 220 فصلاً
/0/36063/coverbig.jpg)
/0/29723/coverbig.jpg)
/0/29812/coverbig.jpg)
/0/30314/coverbig.jpg)
/0/34531/coverbig.jpg)
/0/34528/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)