/0/30316/coverbig.jpg)
2 الفصل
ارتطم جسد هند بالأرض مسبباً سحابة صغيرة من الغبار الناعم، وتعالت صرخات المراسلين والمصورين وهم يتدافعون لتوثيق لحظة سقوط سيدة المجتمع الراقي على قارعة الطريق.
توقفت نورة عن المشي على بعد أمتار قليلة. التفتت ببطء، ووضعت يديها داخل جيبي عباءتها الفضفاضة، ووقفت ترقب المشهد ببرود سيبيري لا يلين. لم تتقدم خطوة واحدة للنجدة، ولم يطرف لها جفن، بل ارتسمت على زاوية فمها ابتسامة سخرية لا تكاد تُرى.
في تلك اللحظة بالذات، شق صفير إطارات حاد سكون المكان، وتوقفت سيارة دفع رباعي ضخمة سوداء اللون بعنف عند حافة الرصيف. انفتح الباب واندفع منه فهد آل مالك، بثوبه الأبيض الذي تجعد من فرط الحركة وعقاله المائل، وعيناه تشتعلان غضباً أعمى.
دفع فهد الصحفيين بكوعيه بقسوة وهو يزمجر: «ابتعدوا من هنا أيها الحثالة!»
ركع فهد على ركبة واحدة بجانب والدته الملقاة، ورفع رأسها واضعاً إياه في حجره، ثم رفع بصره المشحون بالحقد ليرميه باتجاه نورة الواقفة بثبات: «يا ناكرة الجميل! يا عديمة الأصل! إن حدث لأمي أي مكروه، أقسم بالله العظيم أنني سأدفنكِ حية بيدَي هاتين!»
لم تتزحزح نورة. بقيت نظراتها مستقيمة، بل وازدادت صلابة، وهي ترى هذا الشاب الذي كانت تناديه يوماً ما بأخيها يفرغ حقده المكبوت عليها ليداري عار عائلته.
استغل أحد الصحفيين الجريئين الفرصة، ومد ميكروفونه نحو فهد قائلاً بنبرة مستفزة: «سيد فهد، هل تؤكد أن ورقة إسقاط النسب والتنازل التي عرضتها نورة صحيحة؟ هل تم سجنها ظلماً لحماية أختك مها؟»
امتقع وجه فهد، واضطربت عيناه للحظة قبل أن يصرخ في وجه الصحفي: «أين رجال الأمن؟! أبعدوا هؤلاء المرتزقة عن أمي حالاً!»
انطلقت من حنجرة نورة ضحكة قصيرة وباردة، تردد صداها بوضوح فوق جلبة الحشد: «لا داعي لإجهاد صوتك في هذا المسرح الهزلي يا فهد. انظر إلى صدرها؛ تنفسها منتظم للغاية، وجفونها ترتجف بسرعة لأنها تحاول مراقبة الكاميرات من تحت رموشها.»
تصلبت حركة هند على الفور، وسكنت جفونها فجأة، بينما تحولت نظرات المصورين بدقة نحو تفاصيل وجهها الممدد على الأرض، لتلتقط العدسات المكبرة ذلك التوتر المصطنع الذي فضح زيف الإغماء في بث حي لا يمكن حذفه.
تشنجت أصابع فهد حول كتف أمه، وغمره خزي حارق شل لسانه لبرهة، وهو يدرك أن الحيلة انقلبت وبالاً على سمعة العائلة أمام مئات الآلاف من المتابعين.
"انتهت المسرحية، وأنا لستُ من جمهوركم." قالت نورة بنبرة قاطعة وهي تشيح بوجهها عنهما.
انتفض فهد واقفاً كالملدوغ، تاركاً أمه للخادمة والسائق، وأشار بسبابته المرتجفة نحو ظهر نورة المبتعد وهو يهدد بصوت متهدج: «إن خطوتِ خطوة واحدة إضافية، فانسَي أن تلمسي ريالاً واحداً من أموال آل مالك! ستتوسلين عند أبوابنا للحصول على كسرة خبز ولن تجدي سوى البصاق!»
لم تبطئ نورة خطوتها، بل التفتت برأسها قليلاً، تاركة ملامحها الجانبية الحادة تنطق باحتقار مطلق: «احتفظوا بأموالكم القذرة لشراء مهدئات لمها... ستكون بحاجة ماسة إليها في الأيام القادمة.»
مضت نورة تاركة خلفها فهداً يغلي في مكانه عاجزاً عن اللحاق بها خوفاً من فضيحة أوسع تحطم ما تبقى من كبرياء أسرته المتداعية. ومع تراجع فهد لحمل والدته إلى داخل السيارة وسط سخطه العارم، تفرق الحشد الصحفي بسرعة لتسليم السبق الصحفي المزلزل لمكاتب التحرير.
أصبحت الساحة أمام السجن خالية فجأة، تلفحها رياح الرياض الجافة، وتتقلب فيها بعض الأوراق المهملة.
سارت نورة بمحاذاة الشارع الرئيسي، وشعرت بحبات العرق البارد تنحدر على جبينها تحت الحجاب، لكن صدرها كان ينبض بحرية مطلقة لم تتذوقها منذ أربع سنين عجاف. أخرجت هاتفها القديم الذي استلمته مع أماناتها من إدارة السجن، وشغلته بعد أن وضعت فيه شريحة مسبقة الدفع.
توالت الرسائل فوراً، لكن عينيها استقرتا على رسالة صوتية واحدة من معلمتها السابقة في السجن، السيدة لطيفة. ضغطت نورة على زر التشغيل، فانساب صوت لطيفة الهادئ، المتعب والمفعم بالقوة في آن واحد: «يا ابنتي... توجّهي إلى محكمة الأحوال الشخصية الأولى فوراً. موعدنا قائم، والعهد الذي قطعناه لن ينكسر. حان وقت استرداد ما سُلب منكِ.»
قبضت نورة على الهاتف حتى ابيضّت مفاصل أصابعها. همست في سرها: «أبشري يا أستاذتي... لن يضيع حق وراءه مطالب.»
وصلت إلى زاوية الشارع، ورفعت يدها لتوقف سيارة أجرة صفراء قديمة كانت تقترب.
توقفت السيارة، وتفحصها السائق ذو اللحية الكثة عبر المرآة بريبة: «إلى أين يا أختي؟»
عدّلت نورة حجابها وركبت في المقعد الخلفي قائلة بنبرة حاسمة: «إلى محكمة الأحوال الشخصية الأولى في الرياض.»
انطلقت السيارة مندفعة وسط زحام العاصمة، تاركة خلفها سجن النساء وظلال الماضي الثقيلة. أراحت نورة رأسها على مسند المقعد البالي، وأغمضت عينيها لتستحضر صورة فوتوغرافية صغيرة كانت لطيفة قد أرتها إياها في زنزانتها؛ صورة لرجل ذي ملامح حادة وقاسية يدعى سلطان آل رشيد، وهو الشخص الذي ستبدأ معه اليوم فصلاً جديداً تحت مسمى "الزوج التعاقدي".
بعد نحو نصف ساعة، توقفت سيارة الأجرة أمام صرح حجري أبيض شاهق تحيط به أعمدة ضخمة تدل على هيبة القضاء.
دفعت نورة الأجرة ونزلت، ورفعت بصرها نحو القبة العالية لمحكمة الأحوال الشخصية. أخذت نفساً عميقاً، ورتبت أطراف عباءتها السوداء قبل أن تصعد الدرجات الرخامية العريضة.
وقبل أن تضع قدمها داخل البوابة الزجاجية الكبرى، شعرت بوخز بارد يسري في عمودها الفقري، إحساس غريزي بأن هناك من يراقب كل حركة من حركاتها.
التفتت بحذر نحو البوابة الجانبية المظللة، فرأت سيارة سوداء مصفحة بالكامل، زجاجها داكن إلى درجة السواد المطبق، وبلا لوحات معدنية ظاهرة، تقف في هدوء مريب يشي بسلطة ونفوذ لا حدود لهما.
قائمة الفصول
المجموع: 10 فصول
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/35233/coverbig.jpg)
/0/34249/coverbig.jpg)
/0/31754/coverbig.jpg)
/0/28943/coverbig.jpg)
/0/36066/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)
/0/35216/coverbig.jpg)
/0/35602/coverbig.jpg)