تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

3 الفصل

من خلف الزجاج المعتم للسيارة المصفحة الرابضة في الظل، كان سلطان يراقب تلك القامة النحيلة وهي تتوقف لثانيتين وتحدق نحو سيارته، قبل أن تدير وجهها ببرود مدروس وتدلف بخطوات واثقة إلى بهو المحكمة.

كانت أصابعه الطويلة تقلب ولاعة فضية فاخرة دون أن يشعلها، وصوت نقراتها المنتظمة يقطع صمت المقصورة المريحة التي تغلفه بهالة من السكون المهيب.

انحنى المساعد يوسف من المقعد الأمامي وقال بصوت خافت يقطر احتراماً: «طال عمرك، دخلت السيدة الآن.»

اعتدل سلطان قليلاً في جلسته، لتكشف الإضاءة الخافتة عن ملامح وجه محفورة بدقة؛ فك حاد، وعينان سوداوان كظلام ليلة صحراوية لا قمر فيها. قال بصوت عميق يحمل بحة هادئة لكنها آمرة: «فلننزل إذاً... حان وقت لقاء زوجتي الصورية.»

في الطابق الثاني من مبنى المحكمة، كانت نورة تقف أمام باب خشبي ثقيل يحمل لوحة نحاسية كُتب عليها "مكتب المصالحة والتوثيق الخاص"، تماماً كما وجهتها لطيفة.

لم تمض دقيقة واحدة حتى سمعت وقع خطوات منتظمة وقوية تقترب من نهاية الرواق الطويل. التفتت نورة لتجد رجلاً فارع الطول يرتدي ثوباً داكناً مكوياً بعناية وشماغاً منسدلاً بأناقة غير متكلفة، تسبقه هيبة تجعل كل من يمر بجانبه يطرق برأسه احتراما.

توقف الرجل على بعد خطوتين منها، وهي مسافة شرعية آمنة التزم بها بدقة، ونظر إليها من علوه بنظرة ثاقبة كأنما يخترق بها طبقات الحجاب ليرى جوهرها الداخلي: «أنتِ نورة؟ أنا سلطان.»

قابلت نورة تلك النظرات الحارقة بثبات نادر، دون أن يرمش لها جفن، واكتفت بإيماءة خفيفة برأسها: «أهلاً سيد سلطان. أعتقد أن الأستاذة لطيفة قد أطلعتك على كافة بنود اتفاقنا مسبقاً.»

أومأ سلطان برأسه دون تعليق، ومد يده ليدفع مقبض الباب الخشبي، مشيراً لها بالدخول بتهذيب صارم: «فضيلة الشيخ في انتظارنا.»

دخلا معاً إلى الغرفة الهادئة، حيث جلس قاضٍ طاعن في السن ذو لحية بيضاء وقورة خلف مكتب عريض تراكمت فوقه دفاتر الضبط والأوراق الرسمية.

جلست نورة على أحد المقاعد الجلدية، وسحبت على الفور ورقة مطبوعة من حقيبتها ودفعتها فوق المكتب نحو سلطان، وقالت بلهجة عملية تخلو من أي تردد: «شرطي الأساسي مدون هنا بوضوح؛ الاستقلالية التامة وعدم التدخل في شؤون بعضنا البعض.»

لم يتناول سلطان الورقة مباشرة، بل ثبت عينيه الغائمتين على وجهها، وأخذت أطراف أصابعه تنقر سطح المكتب ببطء: «وماذا عن اجتماعات العائلة وزيارات عمتي لطيفة لتفقد أحوالنا؟»

ردت نورة دون مواربة: «سأؤدي دور الزوجة المخلصة ببراعة أمام الجميع، لكن خلف الأبواب المغلقة، لا نعدو كوننا شريكين في سكن مؤقت.»

ارتسمت على شفتي سلطان ابتسامة خافتة للغاية، كأنما راق له هذا التمرد الواثق، ثم التقط القلم الفضي الأنيق من جيب ثوبه ووقع على الملحق بحركة رشيقة وسريعة: «تم الاتفاق.»

تنحنح القاضي وهو يرمق هذين الشابين اللذين يتعاملان مع أقدس ميثاق وكأنه صفقة استثمارية، لكنه باشر بفتح وثيقة عقد النكاح الشرعي بعد أن راجع كافة المستندات النظامية.

"بما أن الولي قد أسقط ولايته بالوثيقة القضائية المرفقة وثبت انقطاع الرابطة الأسرية، فإن الحاكم الشرعي يتولى عقد النكاح وفقاً لأحكام الشريعة السمحة." قال القاضي بصوت رزين، وبدأ يتلو صيغة الإيجاب والقبول.

أمسكت نورة بالقلم حين طُلب منها التوقيع على السجل الرسمي. للحظة واحدة، شعرت ببرودة الورق تحت يدها وارتجفت أنفاسها وهي تخط اسمها الكامل، مستشعرة أن قيود أربع سنوات من الظلم والإهانة تتكسر نهائياً تحت هذا التوقيع الجديد.

وقع سلطان بدوره، ودفع القاضي بنسخة من وثيقة النكاح الرسمية نحو نورة. تناولتها بحرص، بينما حرص سلطان وهو يناولها الملف على ألا تلامس أصابعه يدها، محافظاً على حاجز محترم وحاسم بينهما.

"مبارك عليكما. شرعاً ونظاماً، أصبحتما الآن زوجين." قال القاضي وهو يرفع بصره إليهما داعياً بالبركة.

وضعت نورة الوثيقة في حقيبتها وقالت بصوت خفيض ومحايد: «نظاماً فقط يا سيد سلطان.»

خرجا إلى الرواق الواسع، فتقدم المساعد يوسف فوراً وقدم لسلطان علبة مخملية سوداء صغيرة.

فتح سلطان العلبة، وكان بداخلها محبسان فضيان بتصميم هندسي بسيط يخلو من أي بهرجة. التقط المحبس الصغير وقدمه لنورة قائلاً: «لإتمام المظهر أمام عمتي... هي تدقق في هذه التفاصيل.»

تناولت نورة الخاتم الفضي دون تردد، ودسته في بنصر يدها اليمنى. استقر الخاتم في إصبعها بمقاس مثالي أثار دهشتها الخفية.

رفعت رأسها لتجده يراقب يدها بنظرة عميقة وصامتة، مما جعلها تقبض يدها وتخفيها على الفور داخل كم عباءتها الفسيح، متراجعة خطوة إلى الخلف.

"لدي أمور يجب أن أسويها قبل المساء، أستأذنك الآن." قالت بنبرة تدل على رغبتها في التخلص من هذا الحضور الطاغي الذي يربك هدوءها.

لم يحاول سلطان إيقافها، لكنه أخرج من محفظته بطاقة بنكية سوداء بلا سقف ائتماني، ومدها نحوها: «هذه لكِ. الرقم السري هو تاريخ ميلادكِ.»

نظرت نورة إلى البطاقة الفاخرة بازدراء مكتوم ولم تمد يدها: «لستُ بحاجة إلى مالك. يداي قادرتان على إعالتي.»

ظل سلطان ممسكاً بالبطاقة في الهواء، واكتست نبرته صرامة لا تقبل الجدال: «هذه نفقة شرعية ملزم بها كرجل وزوج أمام الله، ولا أريد لعمتي أن توبخني لأنني قصرت في واجبي الأول. خذيها.»

ترددت نورة لحظة عند ذكر اسم لطيفة، ثم مدت يدها وأمسكت بالبطاقة من طرفها العلوي بأطراف أظافرها لتتجنب ملامسة راحة يده تماماً: «شكراً، لكنني لن ألمس هللة واحدة منها.»

استدارت ومشت بخطوات مسرعة نحو المصعد، تاركة خلفها ريحاً خفيفة تعبق برائحة الصابون البسيط الذي تستخدمه السجينات. وقبل أن تنغلق الأبواب المعدنية، تناهى إلى مسامعها عبر الرواق صوته الأجش وهو يلقي أمراً حازماً ومقتضباً لمساعده بتشديد الحراسة وتأمين تحركاتها عن بُعد، لكنها لم تلتفت، بل أغمضت عينيها وهي تصعد نحو معركتها القادمة.

هذا كل ما هو متاح حاليًا.

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 10 فصول

  1. الفصل 11 الفصل
  2. الفصل 22 الفصل
  3. الفصل 33 الفصل

إصدارات جديدة