تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

في صباح اليوم التالي، كانت العاصفة قد هدأت تماما، وأشعة الشمس تغسل فناء الفيلا الخارجي. جلست نورة بجوار نافذة غرفة نومها، عيناها فارغتان من أي تعبير، لم تنم دقيقة واحدة. لم تهرب، لأنها تعرف أن النهاية يجب أن تكون رسمية. طرقات خفيفة على الباب، وقبل أن تجيب، دخل خالد. كان يرتدي ثوبا أبيض ناصعا، وشعره مرتب بعناية فائقة، ووجهه خال من أي مشاعر. سار بخطوات واثقة نحوها، وألقى بملف أوراق على الطاولة أمامهما. قال بصوته البارد المعتاد، وكأنه يصدر أمرا: "بما أنك سمعتِ كل شيء، فقد وفرتِ علي عناء الشرح. وقعي." نظرت نورة إلى الورقة العليا، حيث كتبت عبارة "وثيقة طلاق" بخط واضح. رفعت رأسها ببطء، وللمرة الأولى نظرت في عينيه بهذا الهدوء المطلق، وسألته: "ماذا كنت بالنسبة لك؟" تفاجأ خالد قليلا بهدوئها، كان يتوقع بكاء أو صراخا، لكنه استعاد ملامحه الصارمة سريعا وقال: "شريكة في صفقة. انتهت الصفقة، خذي ما يحق لك، ولا أحد يدين للآخر بشيء." أشار بإصبعه إلى المرفقات: "وفقا لاتفاقية ما قبل الزواج، هذه الفيلا، سيارة بنتلي، وخمسون مليون ريال نقدا، كلها لك. تكفيك لتعيشي حياة مريحة للأبد." ابتسمت نورة بسخرية مريرة. لم تهتم يوما بهذه الأرقام، وما كانت تريده حقا لم يمنحها إياه أبدا. قالت بصوت خافت: "لا أحتاج إلى صدقتك." التقطت القلم الفضي من على الطاولة. برودة المعدن جعلتها أكثر يقظة. لم تقرأ أيا من تلك الشروط السخية، بل قلبت الصفحات مباشرة إلى مكان التوقيع. كانت يدها ثابتة تماما، وكتبت اسمها بوضوح: نورة المصري. تعمدت إسقاط لقب "آل راشد". عندما وضعت النقطة الأخيرة، شعرت وكأن جبلا انزاح عن صدرها. دفعت الملف نحوه، وقفت، ونظرت إليه في مستوى عينيه: "خالد، أتمنى ألا تجد أنت والآنسة رزان...... السعادة أبدا." لعنتها الهادئة جعلت نظرات خالد تظلم فجأة، قبض على يده بشدة حتى برزت عروق ظهره. كانت هذه أول مرة ترى فيها انفعالا حقيقيا على وجهه. لكن نورة ابتسمت، ابتسامة التحرر، واستدارت نحو غرفة الملابس. راقب خالد ظهرها وهي تبتعد. لأول مرة، اجتاحه شعور غريب بفقدان السيطرة. لم يعجبه هذا التجاهل التام في عينيها. بعد دقائق، خرجت نورة تجر حقيبة سفر صغيرة جهزتها منذ الأمس، تحتوي فقط على ملابسها وكتبها الطبية. مرت بجانبه دون أن تتوقف لثانية واحدة. وعندما وصلت إلى الباب، التفتت لتلقي نظرة أخيرة على المكان الذي سمته "منزلا" لعام كامل. قالت وكأنها تذكرت شيئا: "بالمناسبة، التعويض الوحيد الذي أريده، هو أن نذهب إلى المحكمة في أسرع وقت لإنهاء الإجراءات، لكي أتخلص من لقب 'حرم آل راشد' المثير للسخرية." فتحت الباب وخرجت دون أن تنظر خلفها. وقف خالد في مكانه، ينظر إلى الباب الفارغ. كانت رائحة الأعشاب الطبية الخفيفة التي تميزها لا تزال عالقة في الهواء. أمسك بوثيقة الطلاق، ووقع نظره على توقيع "نورة المصري"، وشعر بوخز غير مبرر في صدره. خارج الفيلا، كانت الشمس ساطعة. أغمضت نورة عينيها للحظة، تتنفس هواء الحرية. كانت هناك سيارة رولز رويس سوداء تنتظرها. فتح السائق الباب باحترام، صعدت، وانطلقت السيارة مبتعدة عن القفص الذهبي. بعد أسبوع، في اليوم المحدد لإنهاء الإجراءات في محكمة الرياض. وقفت نورة أمام المبنى قبل الموعد بنصف ساعة. انتظرت طويلا، وبعد مرور ساعة على الموعد، لم يظهر خالد. اتصلت بمحاميه، الذي أجاب بنبرة معتذرة: "أعتذر بشدة سيدة المصري. طويل العمر لديه اجتماع دولي طارئ، ولن يتمكن من الحضور اليوم. سنحدد موعدا آخر في أقرب وقت." أغلقت الخط. نظرت إلى المارة أمام المحكمة، وأطلقت صوتا خفيفا "تسك" من بين شفتيها. هذه هي طريقته الدائمة لفرض سيطرته وإظهار نفوذه. لكنها لن تنتظر صدقته بعد الآن، لا في المال، ولا في الحرية. أمسكت هاتفها، واتصلت بمنصور آل مرقوم: "عمي، لقد اتخذت قراري. أقبل مساعدتك للسفر إلى أوروبا لاستكمال دراستي. بأسرع وقت ممكن."

هل تريد متابعة القراءة؟

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 260 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1
  2. الفصل 2الفصل 2
  3. الفصل 3الفصل 3

إصدارات جديدة