/0/34249/coverbig.jpg)
الفصل 2 No.2
خرجت نورة من صالة الوصول في مطار الملك خالد الدولي، وخطواتها على الرخام اللامع كانت تقطع الصالة بنبض منتظم. صوت كعبها الأحذية يجذب أنظار المارة، لكنها لم تكن تلتفت. عيناها أمامها. هدفها واضح. رجل ببدلة رمادية محبوطة حاول الاقتراب منها، مد يده وكأنه يريد مساعدتها في حقيبتها. نظرت إليه. نظرة واحدة. باردة كحديد في ليل ديسمبر. تراجع الرجل خطوتين ومشى بعيداً دون أن يلتفت. لديها خبرة بالرجال من هذا النوع. خمس سنوات في أوروبا علمتها أن الابتسامة الباردة أقوى من أي إهانة. مشت نحو مخرج كبار الزوار، حيث كان سائقها ينتظر. لكن قبل أن تصل إلى الباب، اصطدم جسد صغير بساقها. تأخرت خطوتها. نظرت إلى الأسفل. ولد. لا يتجاوز أربع أو خمس سنوات. يرتدي ثوباً عربياً أبيض نظيفاً مرتباً، بطريقة توحي بأنه من بيت محترم وثري. لكن عينيه... عيناه كانتا مبللتين بالدموع، وشفتيه مضغومتين بقوة كأنه يمنع نفسه من البكاء. لم يبكِ. فقط وقف هناك، يرتجف، وينظر إليها بعيون سوداء كبيرة كحجر السجاد. كتميمة صغيرة مرعوبة. "أين... أين بابا؟"، سأل بصوت طفولي رقيق ومكسور. نورة شعرت بشيء غريب. شيء لم تشعر به منذ خمس سنوات. شيء دافئ في صدرها، كيد خفية تضغط على قلبها بلطف. نظرت إلى هذا الولد الصغير، ولم تستطع أن تتجاهله. بدلاً من أن تمشي، جثمت على ركبتيها لتكون في مستواه. "ما اسمك؟"، سألت بصوت حاولت أن تجعله أقل برودة. "راشد"، قال بصوت يرتجف. "حسناً يا راشد. أين والدك؟ كيف انفصلت عنه؟" قبل أن يجيب، نظرت حولها. ولاحظت شيئاً جعل كل حواسها تستيقظ. رجلان. ليسا بعيدين. واحد منهما يقف عند زاوية الممر، يرتدي جاكيتاً عريضاً يخفي شيئاً عند خصره. الآخر يميل برأسه نحو ياقته ويتكلم بصوت خفيض. عيناه لم تغادر الولد لحظة واحدة. ليست حالة ضياع. إنها مطاردة. نورة أدركت الوضع في ثانية واحدة. أمسكت بيد راشد الصغيرة وضغطت عليها. "تعال معي. الآن." لم تنتظر إجابته. سحبته معها وسارت بسرعة نحو ممر جانبي. ليس الممر المؤدي إلى الخروج، بل ممر الموظفين الذي تعرفه من خبرتها بالطيران. الممر الذي لا توجد فيه كاميرات ولا زحام. راشد ركض بخطواته القصيرة ليواكبها. لم يسأل إلى أين يذهبان. شيئاً في عيني نورة أو في صوتها جعله يثق بها. خلفهما، سُمع صوت لاسلكي. أصوات رجال يتحركون. "تأكدوا من المنطقة C. الطفل ربما يكون هناك." نورة ضغطت على يد راشد بقوة أكبر. قلبت بصرها خلفها. رأت أحد الرجلين يتحرك نحو الممر الذي دخلاه. زادت سرعتها. انعطفت في زاوية، فتحت باب مخزن أدوات التنظيف، ودفعتهما إلى الداخل وأغلقت الباب. المخزن ضيق. رائحته مطهر صنوبر. رفوف معدنية على الجانبين. مكنة في الزاوية. وبرميل بلاستيكي مقلوب. نورة وضعت إصبعها على شفتيها: "صه. لا صوت." راشد كان يرتجف. يده الصغيرة في يدها كانت باردة كالثلج. نورة شعرت بالارتجاف في أصابعه. سحبته حتى أجلسته على البرميل المقلوب. جثمت أمامه. فتحت حقيبة يدها. أخرجت قطعة شوكولاتة سويسرية. كانت دائماً تحمل واحدة في حقيبتها، عادة قديمة لا تتذكر متى بدأت. نزعت الغلاف ومدتها إليه. "خذ. ستجعلك تشعر بتحسن." راشد نظر إلى الشوكولاتة. نظر إلى نورة. تردد. ثم أخذها بيد مرتجفة ووضعها في فمه. السكر بدأ يذوب على لسانه. ارتجافه لم يتوقف تماماً، لكنه خف. أخذ نفساً عميقاً. نظر إليها بعينيه الكبيرتين. "أنتِ... أجمل أخت رأيتها." نورة توقفت. الكلمة أصابتها في مكان لم تكن مستعدة له. "الأخت." في يوم من الأيام، كانت تريد أن تكون أختاً. لكن مها سلبتها ذلك. سلبها كل شيء. لكن الآن، أمام هذا الولد المرعوب، لم تشعر بالألم القديم. شعرت بشيء آخر. شيء كالحماية. شيء كالمسؤولية. ابتسمت له. ابتسامة حقيقية، صغيرة، كأنها نبتة صغيرة تشقق الأرض الجافة. "شكراً يا راشد. أنت أيضاً... لست سيئاً." للحظة، نسيت أين هي ولماذا عادت. نسيت الحقد والانتقام. كانت فقط امرأة في مخزن مظلم، تطعم شوكولاتة لولد مرعوب. لكن اللحظة انكسرت. خطوات. سريعة. ثقيلة. تقترب. صوت لاسلكي خارج الباب: "تأكدوا من كل غرفة في الممر. احتمال أن الطفل اختبأ هنا." نورة وقفت. وضعت راشد خلفها. واجهت الباب. قلبها يدق بسرعة، لكن وجهها بقي بارداً كالحجر. الباب... في اللحظة التالية، تحرك مقبض الباب.
قائمة الفصول
المجموع: 280 فصلاً
/0/35603/coverbig.jpg)
/0/32679/coverbig.jpg)
/0/29736/coverbig.jpg)
/0/36063/coverbig.jpg)
/0/30314/coverbig.jpg)
/0/35601/coverbig.jpg)
/0/33722/coverbig.jpg)
/0/37885/coverbig.jpg)
/0/37710/coverbig.jpg)
/0/34255/coverbig.jpg)
/0/36064/coverbig.jpg)
/0/35216/coverbig.jpg)