تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 3 No.3

نورة سحبت إبرة رفيعة من جوف حذائها. إبرة حماية شخصية، حادة كالإبرة الجراحية لكن أطول. أمسكتها بين أصابعها كخنجر صغير. وقفت بين راشد والباب، وظهرها مستقيم كعمود. تحرك المقبض. الباب انفتح بعنف. ثلاثة رجال ببدلات سوداء اقتحموا المخزن. واحد، اثنان، ثلاثة. كلهم يرتدون سماعات أذن وخوابير لاسلكية. توقفوا عندما رأوها. لم يتوقعوا امرأة طويلة شعرها الأسود منسدل على كتفيها، تمسك إبرة كأنها سلاح. "من أنتِ؟"، قال أحدهم، ويمد يده نحو سلاحه. قبل أن يكمل، ظهر ظل خلفهم. ظل أكبر، أطول، أثقل. رجل دخل المخزن. سلطان الفهيم. لم يكن بحاجة إلى تعريف. طوله الفارع، بدلته الإيطالية المرتبة كأنه لم يلمسها يد بشر، ووجهه الذي يمكن أن يكون على عملة رومانية قديمة. لكن عينيه... عيناه كانتا سوداوين كحجر السجاد، بلا ضوء، بلا رحمة. عيناه مسحتا المخزن في ثانية. وجدتا راشد. ورأتاه يقف خلف امرأة غريبة، يده الصغيرة ممسكة بطرف ردائها. القتل في عينيه توقف. حل محله شيء آخر. شيء أقرب إلى التنفس العميق قبل العاصفة. "ابني." الكلمة خرجت كأنها حكم. سلطان خطا نحو راشد. لكن نورة لم تتحرك. بقيت في مكانها، إبرتها بين أصابعها، جسدها درع أمام الطفل. سلطان توقف. نظر إليها. عيناه ضاقتا. "من أنتِ؟ اتركي ابني." صوته كان عميقاً، منخفضاً، كقرع طبول بعيدة. لكنه لم يكن سؤالاً. كان أمراً. نورة لم تطرف. رفعت ذقنها ونظرت إليه مباشرة. "قبل أن تأمرني، ربما يجب أن تسأل ابنك إن كان يريد الذهاب معك؟" الصمت ثواني. راشد تحرك من خلف نورة. رأسه الصغير خرج من خلف وركها. نظر إلى سلطان بعيون دامعة. "بابا! لا، ليست هي! هي أنقذتني! كان هناك رجال سيئون يطاردونني!" سلطان توقف. نظر إلى ابنه. نظر إلى نورة. عيناه تغيرتا مرة أخرى. من الغضب إلى شيء أعمق. أشار بعينه إلى مساعده عادل الذي كان واقفاً خلفه. عادل فهم. التفت وخرج ومعه الحراس. سُمع صوته في الممر يأمر بالبحث عن الرجال الذين وصفهم راشد. المخزن أصبح أصغر. سلطان ونورة وراشد فقط. الهواء بينهما أصبح كثيفاً. سلطان نظر إلى نورة مرة أخرى. لكن هذه المرة، لم ينظر إلى وجهها. نظر إلى يدها. إلى الظهر منها. خدش طويل. من الزجاج أو المعدن. أحمر. ينزف. كان واضحاً أنها أصيبته وهي تحمي راشد أو تهرب به. "يدكِ تنزف." نورة نظرت إلى يدها. لم تلاحظ الألم من قبل. الآن، رأت الدم. لم يكن عميقاً، لكنه لم يتوقف. "إنه لا شيء." "لم أسألك إن كان شيئاً." سلطان التفت إلى أحد الحراس عند الباب: "أحضروا صندوق إسعافات. الآن." الصندوق جاء. سلطان فتحه بنفسه. أخرج مسحة قطنية وزجاجة مطهر. جثم أمام نورة. ركبتاه على الأرض الباردة. رأسه عند مستوى وركها. يده أمسكت يدها المكسورة. لم تكن يدها ناعمة. كانت يداً قويتين، بطول عارض، محددة. أصابعه طويلة، خاتم فضي في إصبع، ساعة ميكانيكية في معصم. "ستشعرين بوخز خفيف. لا تتحركي." لم يكن طلباً. كان إخباراً. المطهر لمس الجرح. نورة شمت أسنانها. ألم صغير، كلسعة نحلة. لكن ما جعلها تتوتر لم يكن الألم. كانت يده. يد سلطان الفهيم، الرجل الذي أمر بتطويق مطار دولي بنداء واحد، كانت تمسك يدها بحذر. كأنه يمسك شيئاً ثميناً قابلاً للكسر. أصابعه مسحت جلدها بمسحة قطنية، بطيئة، بدقة جراح. رائحته دخلت أنفها. عود. خشبي. دافئ. غزير. رائحة رجل لا يحتاج إلى عطر ليكون حاضراً. نورة لم تستطع أن تنظر إلى الأسفل. كانت تنظر إلى الجدار خلفه. لكنها شعرت بقلبها يدق بشكل غير منتظم. مرة سريعة. مرة أبطأ. ثم سريعة. لماذا؟ سلطان رفع رأسه. عيناه التقتا بعينيها. من هذه الزاوية، وهي واقفة وهو جاثم، كان وجهه أمام بطنها. لكن نظره كان في عينيها مباشرة. لم يطرف. لحظة. ثانية. ثانيتان. "بابا." صوت راشد كسر الصمت. الولد كان يقف بجانبهما، يراقب. "بابا، هل أنت أيضاً تطارد الأخت الجميلة؟" الهواء في المخزن تجمد. الحراس عند الباب ضغطوا على شفاههم. واحد منهم استدار ليخفي ابتسامته. نورة شعرت بحرارة غريبة تصعد من رقبتها إلى وجهها. لم تحمر. لم تسمح لنفسها بذلك. لكنها شعرت بالحرارة. سلطان نظر إلى ابنه. ثم نظر إلى نورة. زاوية فمه ارتفعت. قليلاً. بالكاد. لكنها ارتفعت. "راشد. لا تتحدث هكذا." لكن عينيه قالت شيئاً مختلفاً تماماً. وقف سلطان. طول عاد كله. نظر إلى نورة من علوه. "لكي أشكرك... أي طلب. أي شيء أستطيع فعله. أو، اتركي لي رقم هاتفك. عائلة الفهيم تدين لك. هذا دين لا يُنسى." لم يكن عرضاً. كان إعلاناً.

هذا كل ما هو متاح حاليًا.

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 280 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 No.1
  2. الفصل 2الفصل 2 No.2
  3. الفصل 3الفصل 3 No.3

إصدارات جديدة