تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 3 No.3

"أنتِ هنا أخيرًا!" هسهس أنس بغضب مكبوت وهو يقف أمامها، محاولًا عدم لفت انتباه الضيوف المتجمعين حول المدخل. "هل تعرفين كم من الوقت وأنا أنتظرك؟ ما هذه المسرحية التي تقومين بها؟"

تراجعت نورة خطوة صغيرة إلى الوراء، خالقة مسافة مادية بينهما. لم تقل شيئًا، فقط نظرت إليه بعينين فارغتين، كما لو كانت تنظر إلى شخص غريب تمامًا.

في تلك اللحظة، انزلقت جميلة من خلف أنس، وعيناها محمرتان وجاهزتان للبكاء. مدت يدها محاولة الإمساك بذراع نورة. "أختي... لقد قلقت عليكِ كثيرًا."

بسرعة البرق، تحركت نورة جانبًا، متفادية لمستها. يد جميلة تجمدت في الهواء، معلقة في وضع محرج.

سقطت نظرة نورة الباردة على فستان جميلة. كان فستانًا باهظ الثمن، مرصعًا بالكريستال، فستانًا يتجاوز بكثير مكانتها كأخت بالتبني تعيش على إحسان العائلة.

تحول وجه جميلة إلى قناع من الإهانة. بسرعة، حولت يدها المرفوعة لتغطي فمها، وبدأت دموع حقيقية هذه المرة تتدفق على خديها.

"نورة!" قال أنس بصوت عالٍ، وسحب جميلة خلفه في حركة حماية مسرحية. "كيف تجرؤين على معاملتها هكذا؟ إنها يتيمة! ألا يوجد في قلبك رحمة؟"

بدأت الهمسات تنتشر بين الضيوف القريبين. سيدات المجتمع الراقي نظرن إلى نورة بنظرات استنكار. في ثقافتهم، معاملة ضيف، خاصة يتيم، بهذه الطريقة كان يعتبر قلة ذوق وفضيحة.

واجهت نورة النظرات المتهمة بهدوء تام. ثم، فجأة، ضحكت.

لم تكن ضحكة مرحة. كانت ضحكة باردة، حادة، مليئة بالسخرية التي جعلت الهمسات تخفت على الفور.

"أخبرني يا زوجي العزيز،" قالت بصوت واضح ورنان، مستخدمة العربية الفصحى الأنيقة التي تعلمتها في أفضل المدارس الداخلية في سويسرا، "بأي حق تلمسني امرأة غريبة لا تحمل اسم عائلتي؟ أنا زوجتك الشرعية. أليس من حقي أن أحافظ على مسافتي؟"

تلعثم أنس. لم يتوقع هذا المنطق الحاد. "جميلة... جميلة مثل أختي!"

"وهل ستعطي إرث والدتي لأختك 'المزعومة' لترتديه؟" رفعت نورة صوتها قليلاً، وكل كلمة كانت موجهة ليس فقط لأنس، بل للجمهور المتفرج. "عقد الزمرد الذي يعود لعائلة الزجاجي، هل مكانه على عنق فتاة لا تملك حتى اسم عائلة القادري بشكل شرعي؟"

كانت الكلمات كالقنبلة. في هذا المجتمع الذي يقدس النسب والدم، كانت الإشارة إلى أن جميلة "بدون اسم" إهانة لاذعة. تغيرت نظرات السيدات على الفور. الآن، كانت نظرات الازدراء موجهة إلى جميلة الشاحبة.

"أنا... أنا لم أطلبه أبدًا!" بكت جميلة، متشبثة بذراع أنس. "إنه أنس، هو الذي أراد أن أكون جميلة الليلة..."

"اصمتي!" صرخ أنس، غاضبًا ومحرجًا. أشار بإصبعه إلى نورة. "اعتذري لجميلة الآن! وإلا، أقسم أنكِ لن تضعي قدمكِ في هذه القاعة الليلة!"

بدلاً من التراجع، تقدمت نورة خطوة إلى الأمام. كانت أقصر منه، لكن الهالة التي أحاطت بها جعلتها تبدو عملاقة. حدقت مباشرة في عينيه.

"هل ستجبرني،" قالت بصوت عالٍ وواضح، يرن في صمت القاعة المتوتر، "أمام الله وأمام كل هؤلاء الناس، على إهانة نفسي من أجل فتاة غريبة؟ هل هذا ما يفعله الزوج المسلم لزوجته؟"

لقد رفعت الأمر إلى مستوى الدين والأخلاق. المحظور الأكبر.

تجمد الجميع. حتى أنس تجمد، وجهه مشوه بمزيج من الغضب والصدمة. لقد حاصرته. أي حركة منه الآن ستدينه.

في المقصورة العلوية، كاد تركي أن يختنق بعصيره. "يا إلهي... إنها ليست لبؤة، إنها تنيـن!"

لم يقل فيصل شيئًا. لكن يده التي كانت تمسك بساعة الجيب ابيضت مفاصلها. فجأة، نهض.

"إلى أين؟" سأل تركي.

"إلى الأسفل." قال فيصل، وصوته كان هادئًا بشكل خطير.

في الطابق السفلي، فقد أنس كل أثر للعقل. الإذلال كان أكثر من أن يتحمله. رفع يده.

شهق الحاضرون.

نورة لم ترمش. وقفت مكانها، تتحدى الضربة القادمة بعينيها. كانت تعرف أن هذه الصفعة، أمام الجميع، ستكون نهايته.

لكن الصفعة لم تصل أبدًا.

يد قوية، جافة كجلد قديم ولكنها صلبة كالحديد، أمسكت بمعصم أنس في منتصف الطريق.

ظهر منصور، كبير خدم آل راشد، خلف أنس كشبح.

"هذا المكان برعاية عائلة آل راشد." قال منصور بصوت بارد كالثلج. "والعنف ممنوع."

استدار أنس ورأى شعار آل راشد على صدر منصور. تجمد من الخوف وسحب يده بسرعة كما لو كانت قد لدغته أفعى.

حاولت جميلة التدخل، لكن نظرة واحدة حادة من منصور جعلتها تتجمد في مكانها.

ثم، استدار منصور إلى نورة. انحنى قليلاً، في لفتة احترام لم يمنحها لأي شخص آخر في القاعة.

"آنسة الزجاجي، هل تسمحين لي بمرافقتكِ إلى الداخل؟"

تجاهل أنس وجميلة تمامًا، كما لو كانا غير موجودين.

نورة، ببطء، رتبت حجابها الذي تحرك قليلاً. رفعت ذقنها بفخر.

"بكل سرور، سيد منصور."

وسارت إلى الداخل، على السجادة الحمراء، تحت حماية أقوى عائلة في المملكة، تاركة زوجها وأخته بالتبني يقفان في المدخل، محطمين ومهانين، كالمهرجين الذين انتهى عرضهم للتو.

هذا كل ما هو متاح حاليًا.

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 260 فصلاً

  1. الفصل 1الفصل 1 No.1
  2. الفصل 2الفصل 2 No.2
  3. الفصل 3الفصل 3 No.3

إصدارات جديدة