تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي

الفصل 3 No.3

انفتح الباب العريض ليدخل نسيم المساء المحمل بروائح العود والعطور الباريسية النفاذة، وتلاه دخول ثلاث نساء يتهادين بدلال مفرط.

تقدمت منيرة المالكي، والدة فهد، بعباءتها الحريرية المطرزة بالخيوط الذهبية ووجهها الصارم الممتلئ بمساحيق التجميل، وبجانبها ابنتها الشابة ريما التي بدت تبتسم باستهزاء، بينما كانت تتوسطهما امرأة شابة ترتدي فستاناً أبيض ناصعاً وتضع شيلة شيفون تكشف عن غرة شعرها المصفف بعناية فائقة.

كانت تلك رزان الشمري.

تلاقت الأعين في بهو القصر الواسع. تجمدت نظرات منيرة وريما حين وقع بصرهما على نورة وحقيبة السفر المستقرة عند قدميها، لكن سرعان ما تحولت تلك النظرات إلى تعابير سافرة من الشماتة والاستعلاء.

"يا لمحاسن الصدف!" هتفت منيرة بنبرة لاذعة تقطر سماً وهي تدنو بخطوات بطيئة، "أرى أن 'كنتنا المصونة' قد استوعبت أخيراً حجمها الطبيعي، وأدركت أن البقاء هنا لم يعد من حقها بعد اليوم."

ضحكت ريما بخبث، وهي تعدل حقيبة يدها الجلدية الفاخرة: "أمي، أرجوكِ، اخفضي صوتكِ قليلاً، فالمرأة تحمل شيكاً بملايين أخي، وربما تظن نفسها الآن سيدة مجتمع فاحشة الثراء، وعلينا ألا نغضب مشاعرها الرقيقة!"

في تلك اللحظة، تقدمت رزان خطوتين إلى الأمام، متصنعة نظرة خفيضة من الحزن والذنب، وقالت بصوت متهدج ناعم يحمل كل معاني المكر: "أختي نورة... أرجوكِ لا تغضبي من فهد أو من العائلة. يعلم الله أنني حين عدت لم أكن أقصد تدمير بيتكِ... لكن القلوب بيد علام الغيوب، وفهد لم يستطع كتمان مشاعره القديمة تجاهي. أتمنى لكِ التوفيق من كل قلبي في حياتكِ القادمة."

رمقتها منيرة بنظرة فخر مشوبة بالحنان، ثم جذبتها من يدها برفق لتضعها خلفها كمن يحمي جوهرة ثمينة من غبار الطريق، وصاحت في وجه نورة: "وفري عليكِ تمثيل دور المظلومة يا هذه! رزان ابنة أصول وحسب ونسب، ولم تأخذ سوى مكانها الأصلي الذي شغلتهِ أنتِ لثلاث سنوات بالخطأ! فهد تزوجكِ لإرضاء جده، لكنه لم يلمسكِ قط كما تليق الزوجات، والآن عاد الحق لأصحابه، وعليكِ أن تشكري الله على فتات المال الذي ألقاه لكِ ابني لتأكلي به خبزكِ!"

ظلت نورة واقفة كطود أشم، دون أن تهتز شعرة واحدة من حاجبها. كانت عيناها تتفحصان الوجوه الثلاثة بنوع من الازدراء الهادئ، وكأنها تراقب مخلوقات ضئيلة تتنازع على قشور ميتة.

حاولت نورة تجاوزهن بهدوء وسحب حقيبتها، لكن منيرة المالكي خطت خطوة عدوانية وسدت الطريق أمامها بجسدها الضخم، وصوتها يزداد حدة:

"إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة بهذه العجرفة؟ ألا تملكين أدنى درجات الأدب لتردي على سيدة هذا البيت قبل أن ترحلي؟"

نظرت نورة أخيراً في عيني منيرة مباشرة، وقالت بنبرة خفيضة ولكنها قاطعة كالماس: "السيدة منيرة... أنا وفهد تطلقنا رسمياً قبل نصف ساعة. وبحكم الشرع والقانون، لستِ سيدة عليّ، ولا يربطني بكِ أو بابنتكِ أي خيط. تنحي عن طريقي."

احتقن وجه منيرة بالدماء غضباً من لقب "السيدة منيرة" الذي جردها من وقار الأمومة المصطنع، وصرخت ريما من جانبها: "اسمعوا وقاحتها! نسيتِ حين دخلتِ هنا بثيابكِ الرثة وجامعتكِ غير المكتملة؟! لولا فهد لظللتِ نكرة تخدمين في أرخص الوظائف!"

وضعت رزان يدها برقة على كتف منيرة، هامسة بخبث مكشوف: "خالتي، أرجوكِ اهدئي، لا نريد لفهد أن ينزعج إن علم بحدوث مشادة... دعيها تذهب بسلام، فهي بالتأكيد مجروحة المشاعر."

لكن تلك العبارة المسمومة لم تفعل سوى إشعال كبرياء الحماة المتغطرسة أكثر، فأشارت بيدها بحركة أمر صارمة نحو خادمة تقف بعيداً حاملة صينية ضيافة تقليدية:

"تعالي إلى هنا فوراً!"

ركضت الخادمة الفلبينية وهي ترتجف، حاملة صينية فضية فوقها دلة قهوة عربية تطلق بخار الهيل الزكي بجانب فناجين خزفية صغيرة.

التفتت منيرة نحو نورة، وابتسامة شريرة تشوه شفتيها: "أنتِ عشتِ هنا كخادمة مرفهة لثلاث سنوات، ورزان اليوم هي ضيفتنا الكبرى وسيدة هذا القصر القادمة. خذي هذه الدلة، وصبي لها فنجان القهوة بيدكِ وقدميه إليها باحترام، لنتأكد من أنكِ تعلمتِ أصول الضيافة قبل أن تطردي من أبوابنا. افعليها... واعتبريها آخر خدمة تؤدينها تحت هذا السقف!"

ساد البهو صمت مطبق وموتور، حبست فيه الخادمات أنفاسهن، وعلت وجه ريما ورزان علامات نشوة الانتصار والتشفي، بانتظار اللحظة التي تنحني فيها نورة لتؤدي طقس الإذلال الأخير.

لكن نورة لم تنحنِ. رفعت بصرها نحو منيرة، وعلى ثغرها ارتسمت ابتسامة باردة غامضة، أرسلت قشعريرة مجهولة في أوصال الحاضرين.

---

هذا كل ما هو متاح حاليًا.

تابع القراءة لتكتشف بقية القصة.

متابعة القراءة

قائمة الفصول

المجموع: 210 فصول

  1. الفصل 1الفصل 1 No.1
  2. الفصل 2الفصل 2 No.2
  3. الفصل 3الفصل 3 No.3

إصدارات جديدة